21 مايو، 2024 7:03 ص
Search
Close this search box.

سنكون هناك .. معك في جهنم

Facebook
Twitter
LinkedIn

” الأدب ليسَ الا أنبثاقاً من حركة الحياة ومن نشاط القوى الإنسانية خلال هذهِ الحركة” – حسين مروة
1
هادي المهدي، مخرج مسرحي، ايكفي هذا ؟ للتعريف عنه !!
هادي ومن خلال متابعتي لسيرة حياة ومشواره المسرحي نكتشف بأنه نشأ في أحضان المسرح ومولع بحبهِ لهذهِ الخشبة المقدسة . أذن لا بد من مرورهِ بتاريخ المسرح الأغريقي والتعرف على حضارة الأغريق، وهضم المدارس المسرحية، وعاش جحيم سارتر وواجه كاليغولا كامو، وحضرَ حفلة سمر لسعد الله ونوس ليدرك حجم المأساة التي تعيشها الشعوب العربية، ليفتح الأبواب لجيفارا عادل كاظم، لكي لا يدخل في عنق الجرة، جرة براندللو. هذا هو المسرح .. يا من تجرأتم على قتلهِ، المسرح عالمٌ يزدحمُ بالرؤى والمفاهيم والجمال. انه التواصل مع الجماهير. وما دام المسرح فنٌ تحريضي ضد كل اشكال الظلم والقهر لذلك كان المسرح بالنسبة له يعني الأنتفاضة ضد الظلم والتعسف وجور الحاكم على أبناء جلدتهِ.
2
منحتني الحياة (وأنا ممتن لها) بأن أشاهد عمله المسرحي (بروفة في جهنم) على أرضية المسرح الوطني والذي أثار جدلاً واسعاً داخل الوسط المسرحي، والذي كان منتهاه (أقصد الجدل) بمنع العرض وهو أسهل اجراء تلجأ اليه العقلية العربية التقليدية المحافظة، ولم يتوقف المنع عند حدود بغداد بل تجاوز حتى خارج العراق فمنع العمل من أية مشاركة عربية !!
والآن، لماذا مُنع هذا العمل ؟ الجواب لأنه تجاوز الخطوط الحمراء والمتمثلة بالتابوات أن صحتْ تسميتها بذلك، فأذا كنا لا نتكلم  بالسياسةِ أو الدين أو الجنس ؟ فبماذا نتكلم ؟ عن المسارح التجارية الهابطة المستوى ؟ أم عن المسلسلات التركية الأستهلاكية الخاوية من أية معنى؟
على كل حال فالأجوبة جاهزة، فالعمل تعرض لبعض القناعات الفكرية والآيديولوجية وخدشها وعليه أحترامها، لكن الحقيقة عكس ذلك.
“بروفة في جهنم” لم تتعرض الى تلك القناعات التي تؤمن بها العقلية التقليدية النمطية، كل ما في الامر أراد هادي المهدي أن يثير عدد من الأسئلة المعرفية وهذا من حق أي انسان، فكل شيء قابل للشك، فبالشك والسؤال نهضت أوربا من سباتها الثقيل، ووصلت الى ما عليه اليوم، من تطور في جميع المستويات سواء كانت سياسية أم علمية أم أجتماعية. 
الأشتغال الذي قدمه لنا “هادي المهدي” يطرح حزمة من القضايا المجتمعية المعاشة يدعو فيه رجال السياسة للنظر والألتفات الى المواطن البسيط وتحقيق أبسط أحتياجاته. فالقضايا التي تناولها العمل لم تكن بمعزل عن مفهوم الصراع بين قوى الحب والجمال والخير والحقيقة والشرف وبين قوى الكراهية والشر والقبح والأوهام. لذلك نجد النص الذي طرحه أفتقدَ الى ثيمة معينة أو محدد تدور حولها أحداث المسرحية لأن “الشهيد هادي” أراد أن يقدم قدر المستطاع حزمة من الرسائل، فكان العمل مجموعة من المحطات ينقلك من مشهد الى آخر عله يستطيع أن يغرف القدر الكبير من هموم الناس وطرحها على خشبة المسرح.
يمكن القول بأن الراحل لم يكن بعيداً عن مفهوم المسرح السياسي والذي تعود بداياتهِ الى مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، كجزء من منهجية الحداثة التي رافقت أنهيار النظم الدينية والعسكرية والكولونيالية وبروز عصر التقنية حيث يتميز هذا المسرح برؤية أخراجية ونص مسرحي مغاير للمالوف يتمثل في أنتقاد الشخصيات الحاكمة والسلطة ومؤازرة الطبقة الفقيرة والشغيلة والانتصار للمظلومين على وجه الأرض. بمعنى “أن المسرح السياسي هو مسرح جدلي، يعاين الحدث ضمن منظومة فكرية ومادية تجري أحداثها على أرض الواقع” * فمن الطبيعي بان هذا اللون من المسرح يكون الراحل أحد رجالهِ ومبدعيه ما دام يلبي طموحاته الفنية المتمثلة بالأشتغال المسرحي.
 
من هذا ، ندركُ ما يمتلكهُ هذا الفنان من قدرٍ ملموس وواضح  من الشجاعة والمصداقية التي تعكسُ أيمانه برسالتهِ المسرحية والتزامه بالفن الحقيقي كمنهج يعري فيه الواقع ليزيح الستار عن عيوبهِ وقباحته، ناهيك عن منهجهِ التجريبي في خلق صورة مسرحية مغايرة للمألوف. مسرح كنا ننتظره بعد أن طال خريف الأبداع المسرحي، خريفٌ كان أبطالهُ العديد من المهرجين. 
3
مكان العرض .. ساحة التحرير
 
منذُ أنطلاق الشرارة الاولى للتظاهرات في ساحة التحرير، التظاهرات التي نددتْ بالفساد الأداري والمالي بوصفهِ أرهاب ثانٍ، والحد من البطالة وغيرها من المطاليب. تميز “هادي” بحضورهِ في ساحة التحرير ومنذُ اليوم الأول، لأنه على دراية بأن الفنان يتحمل مسؤولية كبيرة في تغيير الواقع بل وخلقهِ من جديد وان يكون في طليعة الجماهير. لقد وجدَ ضالتهِ في ساحة جواد سليم.. ساحة  التحرير، ليقدم رؤاه هذهِ المرة تحت نصب الحرية . وما دامت الحياة هي مسرح كبير لنتألق ونبدع فيها ، ولكن هذهِ المرة منعوك من العرض بطريقة أيضاً مغايرة، أنطلاقاً من عدم قناعتهم بمبدأ  الحوار وقبول الآخر، لأنهم تشبعوا بثقافة العنف والأقصاء، هذهِ اللغة التي طالما لم نتخلص منها بمجرد سقوط الطاغية.   أقصد نفس اللغة التي تعاملوا فيها مع الشهيد كامل شياع وقاسم عبد الأمير عجام، تعاملوا معك فلا مفر من الصراع في الحياة أو على خشبة المسرح التي هي حياة متجددة كما تراها  يا هادي.
وقد ثملتَ من ثقافة المسرح.. ثقافة الحوار والحب والجمال والبحث عن الحقيقة. ولكن هم بماذا ثملوا ؟ بالتأكيد أنها معادلة غير متكافئة. لكن هذا ليس نهاية المطاف لأن الأمل موجود وما تركته أنها معادلة غير متكافئة. لكن هذا ليس نهاية المطاف لأن الأمل موجود وما تركته سيكمله محبوك لأنك حاضر في ضمائرهم وفي ضمير العراق.
ــــــــــ
* أسئلة الحداثة في المسرح/ ياسين النصير/ دار نينوى/ 2010/ص64

مقالات اخري للكاتب

أخر الاخبار

كتابات الثقافية

عطر الكتب