12 فبراير، 2024 4:12 ص

رسالة المدينة الفاضلة الى الوطن

Facebook
Twitter
LinkedIn

 في مدينة الامام الحسين (ع) وفي مثل هذه الأيام من كل سنة في ذكرى يوم العاشر من شهرمحرم الحرام ويوم الأربعينية ينام الناس في الشوارع والساحات آمنين ويسعى الجميع في سبيل راحة ملايين من الغرباء لا يعرفونهم. شعور جميل يغطي كل مكان وفيه قدسية وأمان لا يقلق فيه زائرمن أخر ولا يخشى الكربلائيون من اي ضيف قادم الى مدينتهم.

 دفء غريب يجتاح كل مكان لا يخاف فيه اي انسان من آخر ويشعر الجميع أنهم يعيشون في كرنفالية حزينة.

كما قدمتها الكاتبة الدكتورة سارة الطائي في مقالتها التي قرأتها مؤخرا” يقوم الناس في كربلاء بالتكاتف والتعاون فيما بينهم ذاتياً وفي انضباط عالي دون الحاجة الى قوى الأمن وسلطات لتسيير الأمور.

الناس لا تحتاج إلى دافع للمشاركة والصعوبات لا تشكل أية اهمية بل تعتبر تحدياً حيث ان الجميع يخدم الجميع والكل يبادر في خدمة توزيع الطعام والعلاج والتنظيف والتنظيم وتوفير السكن كل في مكانه وعلى حسابه الشخصي ومن جيوبهم رغم فقر الحال في بعض الأحيان ومن الطبيعي مع توافد الملايين توجد ازدحامات وتأخيرات وبعض الحالات الهجينة التي لا تتناسب مع هيبة المناسبة والمكان. 

ملايين من الزائرين الى كربلاء كل عام في مثل هذه الأيام والمئات أو ألاف من الذين يحيون الذكرى الحزينة في عواصم العالم حيث تجد بينهم العالم والأستاذ الجامعي والمهندس والخبير وتجد بينهم العامل والكادح البسيط,

تجد الشاب والعجوز والقوي والضعيف. معظم هؤلاء الناس الغني منهم والفقير يخشون الله ويسعون الى مرضاته كل منهم حسب قناعاته لكننا نعجز عن تفسير هذا الشوق والاصرار للمشاركة في إحياء ذكرى الحسين عليه افضل السلام لاخوفاً من الأمام لكن حباً فيه. نستطيع الجزم إذا سألنا أي أنسان بغض النظر عن طائفته أو دينه في العراق وخارجه عن الحسين ومسيرته فسيكون الجواب متوافقا” من الجميع بالمحبة والتقدير.

أذن السؤال الذي يمكن طرحه في هذه المقالة هو هل في عاشوراء كربلاء (المدينة التي لاتنام ) تتجسد أحدى أشكال يوتوبيا العصر في تحقيق رسالة المدينة الفاضلة ؟

هل يمكن ان يستمر هذا السلوك الفاضل في كل أيام السنة ويعمم في كل مكان من البلاد ثم ماذا نتوقع أن يحدث بعد هذه الزيارات المليونية .؟

كان هدف مسيرة وثورة الإمام الزاهد الحسين (ع) في الوقوف بشجاعة أمام الظلم ونفاق الحكام هو ان تستمر رسالته بين الناس وعموم الانسانية.

لم ينسى أهل العراق منذ ثورة المختار وكل الباحثين عن الحقيقة في العالم هذه الملحمة الجهادية رغم مرور ١٤ قرناً من الزمان وزالت بعدها من الوجود دول كبيرة وأقوام لكن ستبقى مسيرة الامام وأل بيته وأصحابه منهج  لكل الانسانية عبر السنين لما فيه خير الناس وفي رفع رايات الحق بشجاعة في وجه الانحراف والفاسدين.

(الحسين مني وانا من حسين) هذا قول موثوق من أقوال رسولنا الكريم وفيه نفهم ان السير على نهج أمامنا الشهيد هو امتداد الثبات على نهج الرسالة الانسانية التي أتى بها النبي المصطفى فإذا ساعدنا في إصلاح أمة جده وكنا نموذجاً صادقاً نكون قد نصرناه وإذا سكتنا عن الباطل أوناصرنا المنافقين نكون قد خذلناه وما أكثرهم ادعاءً بأسمائهم الشريفة.

 بدأ” من العائلة الواحدة يكون العمل والمنهج الصالح والمشاركة في بناء المجتمع هو الأساس لاحياء أهداف ملحمة الطف لأن البكاء لا يكفي واقامة الشعائر لوحدها لاتكفي بل تأكيد صدق الأقوال مع الأعمال.

كل الشعوب تحتاج الى قيادات تكون النموذج وفي المقدمة للتضحية ونكران الذات و تقع على اكتاف الدولة في وطننا العزيز بعض المسؤولية في العمل على إبعاد الأحزاب عن أستغلال هذه الظاهرة الاستثنائية وتكريس الجهود مع مراكز متخصصة لتوضيح الأبعاد العميقة لذكرى ثورة ابا الأحرار والتي تتجسد سنويًا بهدف ان يستمر هذا الاتجاه والشعور بالمواطنة والسلوك الحميد طيلة ايام السنة في كل مكان لخدمة الاجيال وبناء المجتمع وازالة منهجية الفساد وأهله من أي موقع.

لنعمل جميعا”على جعل كربلاء قبلة للانسانية الى الملايين من الزائرين و لتكون محط رحال المناضلين من أجل الحق والسلام عامرة بالعمران ومراكز العلم وحدائق وبساتين خضراء.

لنعمل متعاونين على جعل مدن الأئمة الاطهار نموذجاً في التعليم والعلوم ليقول العالم هذا ما يفعله كل محبي الحسين ومتبعي رسالته الجهادية من كل المذاهب والأطياف.

من المهم إدراك ابعاد الاستشهاد والوفاء لمنهج الحسين بالتحرك على ضوء أهداف رسالته في البناء وإصلاح الذات والمجتمع وترجمتها بالمساهمة في أعادة أعمار المدارس والمستشفيات ودور الأيتام وتشغيل العاطلين لأن العمل عبادة وخدمة الناس في المجالات الطبية والتربوية عبادة و أيقاف داء الفساد واجب أساسي على كل من له قدرة التغير في المجتمع.

ان الله يرى الإيمان في أعمال الناس مهما كانت أديانهم وقومياتهم ولن ينصلح الحال اذا لم يتساوى الجميع في الحقوق والعدالة في كل تفاصيل الحياة ومن المؤسف ان في العراق لازالت لدينا صورتان وهما صور البؤس والثراء وتناقض الولاءات العقائدية وعلامات الشبهة بالفساد والإثراء باستغلال الموقع تنطبق على الكثيرين ممن يتقلدون أمانة المسؤولية من شمال الوطن الى جنوبه.

مقالات اخري للكاتب

أخر الاخبار

كتابات الثقافية

عطر الكتب