27 مايو، 2024 1:38 ص
Search
Close this search box.

ثقافة الاقصاء في جذور الفكر العربي والاسلامي المتطرف

Facebook
Twitter
LinkedIn

شكل الاقصاء جزء مهم من تركيبة العقلية العربية على مر العصور وتحول عبر ادوار التاريخ الى اسلوب تدار به الشؤون السياسية والاجتماعية للامة الاسلامية بعد ظهور الاسلام في  الجزيرة العربية ، وكانت العصبية القبيلية احدى ابرز السمات الظاهرة على طبيعة شخيصة الفرد العربي والتي احدى تجلياتها هي عدم الايمان والاعتراف بالاخر ..والتخندق للقبيلة والعرف والفكرة واللاطماع والطموحات الشخصية بغض النظر عن مدى انسجامها مع المنطق وقربها او بعدها عن الحق والقيم النبيلة ،وقد عرف ابن خلدون في مقدمته العصبية القبيلية  ..(بانها النعرة على ذوي القربى واهل الارحام ان ينالهم ضيم اوتصيبهم هلكه )..لذلك نجد ان اغلب النزاعات والصراعات القبلية في شبه الجزيرة العربية  والتي تعتبر مهد العرب انذاك  في الجاهلية،  كانت تنشئ على اساس عرقي وقبلي ولاسباب واهية تعتمد في مضمونها على فكرة  اقصاء الاخر والغائه وحب التظاهر والتفاخر عليه ..حتى اصبحت ظاهرة الغزو والنهب والسلب احدى سمات هذا العصر ويذكر المسعودي في كتابه مروج الذهب ومعادن الجوهر الجزء الاول ..(ان شهر صفر سمي بهذا الاسم لان بيوت العرب كانت تصفر اي تخلو من الناس لخروجهم جميعا لغزو بعضهم البعض )، بعد انتهاء الاشهر الحرم التي جعلها العرب محطة استراحة من هذا السلوك العدائي ..حتى انهم كانوا يتنازعون وتسفك دمائهم لاتفه الاسباب ، لشعورهم بالنقص اتجاه اي تصرف قد تفسره عقليتهم الاقصائية على انه اهانة لكرامتهم وكبريائهم ..كما في حرب داحس والغبراء والتي استمرت لاكثر من اربعون عام بين فرعي من قبيلة غطفان النجدية هما عبس وذبيان ، وكان سبب النزاع هو فرسا رهان غلب احدهما الاخر في احدى اسواق العرب في الجاهلية ..كما يذكر ذلك ابن الاثير في كتابه الكامل في التاريخ الجزء الاول ..وعند ظهور الاسلام في ارض العرب بكل مايمثله من ارث حضاري وانساني وقيمي حاول فيه النبي محمد (ص) تخليص العرب من هذا الارث الاجتماعي السيئ ،  لكنه جوبه بنفس عقلية الاقصاء والرفض  التي عهدوها ..حتى قال في الحديث الذي يرويه الحاكم في المستدرك ..(ما أوذي نبي مثل ما اوذيت )..وكانت الدوافع من وراء هذا الرفض والعداء للدين الجديد نابعة من طبيعة العقلية العربية الغير قادرة على تقبل الاخر او استيعاب اي فكر جديد  ، بقولهم له كما جاء في الاية الكريمة من سورة الزخرف..(بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون )..وبعد انتشار الاسلام في معظم ربوع الجزيرة العربية تغيرت نمطية التفكير عند البعض بأتجاه رفض هذا الدين على اساس عنصري قبلي ليس الا ،  كجزء من حاله  الاقصاء لهذا الفكر الجديد ، كظهور مسيلمى الكذاب من بيني حنيفة في ارض اليمامة  وادعائه النبوة في اواخر حياة النبي (ص) ..والذي اتبعته عشيرته لا لرصانة طرحه او قوة حجته بل لانتمائه لهم ، بقولهم له..(نعلم انه صادق اي النبي محمد (ص) ..وانت كاذب ..لكن كذاب ربيعة احب الينا من صادق مضر )..لان بني حنيفة بطن من بطون ربيعة ..ان نمطية التفكير الاقصائية هذه  قد تبناها وللاسف الفكر العربي الاسلامي واستطالت الى مابعد صدر الرسالة مما سبب نزاعا فكريا وعقائديا استمر الى وقتنا الحاضر وكانت بوادر هذا التبني لهذا النهج قد تبلورت في سقيفة بني ساعدة ، واللغط والجدل التاريخي الذي لازال قائما لليوم حول من كان له الاحقية في خلافة النبي (ص) ..ومن بقي ومن اقصي ..لكن هناك حادثة تاريخية مرت من بين ثنايا هذا الصراع تحتاج الى التوقف عندها تعكس في طبيعتها الاسلوب الغريب الذي تلجأ اليه الشخصية العربية عند مواجهتها لاي تحدي قد يفوق قدراتها العقلية ..وهي حادثة سعد بن عبادة زعيم الخزرج في المدينة المنورة  .. كما يذكر ابن كثير في كتابه البداية والنهاية .. فقد رفض هذا الزعيم القبلي والصحابي الكبير البيعة بعد وفاة النبي محمد (ص) ، مما اضطره للسفر الى الشام وهناك تم اقصائه بطريقة دراماتيكية،  حيث قتل في ظروف غامضة لم يتجرأ لا ابن كثير ولا غيره من المؤرخين على الخوض بها او محاولة  معرفة اسبابها ..فلجئوا الى العالم الاخر وادعوا ان من قتله هم الجن ، حتى قالوا ان الجن قد انشد شعرا على جثته..(قتلنا سعد ابن عبادة ….رميناه بسهم لم يخطئ فؤاده)..ولا نعلم ماعلاقة الجن بهذا الرجل وما الخطر الذي يشلكله لهم ليقتلوه ..ان نقطة الشروع هذه لهذا النهج الاقصائي في تاريخنا الاسلامي جر الويلات على الشعوب المغلوبة على امرها والتي وقعت تحت وطأة حكم الامويين والعباسين في العقود التي تلت هذه الحادثة ..حيث اصبحت لغة الاقصاء والتهميش جزء مهم من السلوك والحراك السياسي والعسكري لهؤلاء الحكام والملوك ..مارسوا من خلاله ابشع انواع القتل والتعذيب والتغييب بحق كل من يخالفهم في الرأي او العقيدة والانتماء ..بل اصبح المسلمون انفسهم وقودا لهذا الفكر والنهج الشاذ ..فيذكر السيد عبد الحسين شرف الدين في كتابه الفصول المهمة ..ان اول نساء بيعت كجواري في اسواق المسلمين هن نساء قبيلة همدان القحطانية اليمنية ، بعد ان تم قتل رجالهن وابنائهن لا لسبب سوى لحبهم لعلي بن ابي طالب (ع) ..وكانت هذه السابقة الخطيرة قد نفذت بامر من معاوية بن ابي سفيان ..وهذا شبيه بما حدث بعد سقوط الموصل بيد الارهاب بعد احداث 9 حزيران 2014..فقد استهدف ابناء هذه الطائفة من قبل الجماعات المسلحة المتطرفة التي انتهجت الفكر الاقصائي الاموي فقتلت الرجال من محبي اّل البيت وباعت النساء في اسواق النخاسة مع نساء الاقليات الاخرى في المدينة من مسيحين وايزيدين ، علما ان اغلب علماء الامة قد اجمعوا على ان الموالاة والحب لال محمد (ص) ، لايخرج المسلم من دائرة التوحيد والاسلام ، بل افتى الشيخ محمد شلتوت امام الازهر الشريف بجواز التعبد بالمذهب الجعفري ، وان هذه الاقليات الغير مسلمة  تعامل وفق الشريعة الاسلامية على انهم اهل ذمة تصان ارواحهم واموالهم واعراضهم ..لكن طبيعة الثقافة الاقصائية التي تربى عليها المنتمون للفكر السلفي كانت السبب وراء ماحدث ويحدث في عالمنا الاسلامي المعاصر .. ولم يستثني الفكر الاموي اي شخص حاول التصدي للنهج السيئ التي كانت تدار به الامة الاسلامية من قبله ..وكان من ابرز هؤلاء شخصية استعان بها الخليفة عمر بن عبد العزيز لاعادة بعض الحقوق المسلوبة من قبل البيت الاموي الى الامة مرة اخرى وهو غيلان الدمشقي ، تلك الشخصية الحرة والتي تعتبر احدى العلامات المشرفة في سفر التاريخ العربي والاسلامي ، فيذكر ابن عساكر في كتابه تاريخ دمشق ..ان هشام من عبد الملك لما تولى الخلافة بعد وفاة عمر بن عبد العزيز اراد الثأر لنفسه من غيلان الدمشقي لانه صادر جميع اموله لصالح بيت مال المسلمين حتى كان يصيح في الاسواق بعد ان عرض ثروة الاموين للبيع (هلموا الى اموال السرقة )، فدعاه هشام الى مجلسه وقال له مد يدك فمدها فقطعها هشام بالسيف ثم امره بأن يمد رجله فمدها فقطعها هشام بالسيف ، ثم امر بعد ايام بقتله وصلبه على باب دمشق .. واما بني العباس  فأنهم بدأو حكمهم بأستهداف البيت العلوي ، وان ابو جعفر المنصور عمد على قتل وسجن كل من تقع يده عليه من اهل هذا البيت الطاهر ومحبيهم وغيب العشرات تحت طوامير الموت من ابناء الحسن المثنى ابن الامام الحسن (ع) ، خوفا من النهج والفكر المحمدي الاصيل الذي يحملونه في ثناياهم وقتل الاف ممن تصدوا للنهج العباسي تحت مسميات التشيع والزندقة والخوارج ،ونتيجة لهذه التراكمات التاريخية تداخلت العقلية العربية بمزاجيتها الاقصائية بالفكر الاسلامي بصورة فطرية وعفوية كون العرب هم من حمل الاسلام الى الشعوب الاخرى ..لذلك نجد ان الملوك والسلاطين المسلمين بغض النظر عن انتمائهم العرقي والذين توالوا على حكم الامة الاسلامية من (سلاجقة وبويهيين ومماليك وعثمانين ) قد تعاملوا مع رعيتهم تبعا لاهوائهم ورغباتهم الشاذة ومحاولة ابعاد اي صوت يعتقدون انه نشاز ويغرد خارج سرب طموحاتهم الغير مشروعة ، فكان السلاطين العثمانيين والذين طرحوا انفسهم على انهم حماة الدين وولاة امر المسلمين ، مارسوا نفس الاسلوب مع الاقليات في دولتهم التي امتدت الى حدود النمسا مرورا بالمشرق العربي ..فأضطهدوا الشيعة وعمدوا على حرمانهم حتى  من التعليم كما يذكر السياسي كامل الجادرجي في كتابه (من اوراق كامل الجادرجي )…(ان الطائفة الشيعية تعد في زمن الدولة العثمانية اقلية ينظر اليها بعين العداء فلم تكن يقبل لهم تلميذ في مدارسها الحربية ولا اي وظيفة حكومية وحتى المدارس الاعدادية كانت يمنع ابناء هذه الطائفة من دخولها )..ومارست اقسى من هذا السلوك العدائي ضد الرعايا المسيحيين في دولتها كما في ما يسمى  (بمذبحة الارمن ) عام 1915 والتي تشير المصادرالتاريخية  انه راح ضحيتها اكثر من مليون ونصف ارمني مسيحي ..وفي العراق كانت سمة الاقصاء هي الطاغية في كل الحراك السياسي الذي تلى تاسيس الدولة العراقية الحديثة والتي طالت بالاغلب مكونيين اساسيين في المجتمع العراقي بل شكلا الاغلبية العظمى منه وهما (الشيعة العرب والكرد )..فكل الحكومات التي تعاقبت على حكم العراق من (ملوكية الى قومين وبعثين )، جعلت من حالة التغييب والاقصاء نهجا ثابتا في التعامل مع هاذين المكونيين ، باستثناء حكم الزعيم الخالد عبد الكريم قاسم ..وان هذه السياسة ساهمت في احداث شرخ مجتمعي وطائفي وقومي لازال الشعب العراقي يعاني منه لحد هذه اللحظة ..فسلم النظام السابق العراق وشعبه وثروته الى امريكا ، وهو مليئ بالمقابر الجماعية ومعتقلات الموت والازمات والمشاكل الاجتماعية والاقتصادية  ، لتؤسس الاخيرة نظاما سياسيا هشا قائما على المحاصصة الطائفية والعرقية مما زاد في تأصيل نهج الاقصاء  ، ليتحول فيما بعد الى عمليات قتل وابادة جماعية من خلال السيارات المفخخة والقتل العشوائي ، ويترك الارهاب يعيث فسادا في ارض العراق. .يذهب ضحيته الاف سنويا ، وما مجزرة قاعدة سبايكر في محافظة صلاح الدين والتي حدثت بتاريخ 12 حزيران2014 وراح ضحيتها اكثر من الف وسبعمئة شهيد ، الا وجه اخر وفصل جديد من سياسة الاقصاء القسري والعدائي اتجاه الاخر لايمكن تبريرها تحت اي مسمى او عنوان ، بقدر ماهي استمرار للنهج الاموي العباسي الدموي الذي تمارسه الجماعات المتطرفة التكفيرية بحق اتباع اهل البيت النبوي الشريف .

مقالات اخري للكاتب

أخر الاخبار

كتابات الثقافية

عطر الكتب