25 مايو، 2024 2:01 ص
Search
Close this search box.

بين تغيير الأدارة وأدارة التغيير: العراق الى أين ؟ – 1

Facebook
Twitter
LinkedIn

التغيير وأدارة التغيير شيئين مختلفين، ولكلٍ ضوابطه وأصوله وأدواته وتأثيراته ونتائجه. وكلما كان التغيير أكبر كان تأثيره أكبر، فتغيير أثاث البيت ليس كتغيير المنزل مثلاً، وهذا ليس كتغيير منطقة السكن. أما تغيير نمط حياة الشعوب وطبيعة الحكم فيها فله تأثيرات أكبر وتشعبات أكثر تعقيداً. وما حدث في العراق في سنة 2003م وما بعده مثال حي لايزال يتفاعل، يؤثرويتأثر. سيتألف هذا المقال من ثلاثة أجزاء. الجزء الأول نحكي قصة لنأخذ منها الدروس، وفي القسم الثاني سنتطرق الى مرحلة ما بعد التغيير في العراق وأسباب المقاومة بعد الأحتلال، أما في القسم الثالث فسوف نعرج على الصفات اللازمة لمن يدير عملية التغيير، وأين نجح أو فشل السياسيون الجدد في أدارة عملية التغيير وما هي الطرق العلمية لأدارة التغيير، ثم نستنتج من هذا كله الى أين يتجه العراق.

في البداية نود أن نحكي هذه القصة لنأخذ العبر منها.
يحكى أن هناك عائلة ميسورة كان فيها رجل مريض عرضوه على عدة أطباء ولكن لم يتوصل أي منهم الى علاج مناسب للرجل. ولكن قال لهم أحد الأطباء أن عليه ترك المدينة والعيش لفترة قصيرة في الريف عسى أن يكون هواء الريف يناسبه. كان لدى العائلة فلاح يعتني بحديقتهم، وكانت العائلة تتكلم بهذا الموضوع أمام الفلاح فأقترح عليهم أستضافة الرجل لمدة أسبوع ليرى أن كان هواء الريف فعلا يناسبه، وبعد ذلك على العائلة أن تقرر. أستحسنوا الأقتراح وقرروا نقل الرجل مع بعض الحاجيات الى بستان الفلاح، الى حين أيجاد حل دائمي. كان الرجل يخرج كل يوم للتنزه في بستان الفلاح ويتمشىعلى ضفاف الأنهار. فوقعت عينه على عشب غريب ولما سأل الفلاح قال له أنه من النباتات البرية غير المرغوبة. ولكن الرجل أستحسن شكل الثمر الأحمر الصغير الحجم وسأل الفلاح أن كان هذا يؤكل أم لا. قال الفلاح نعم انه أمين فالكثير من العصافير تأتي الى البستان لتأكله. وبذلك قرر الرجل أن يجربه. ما أطعمه؟ قال الرجل. هو ذا أمامك، قال الفلاح. فصار الرجل يخرج كل يوم للتنزه والأكل من تلك الثمار البرية. جاء أهل الرجل بعد أسبوع لزيارته في البستان فوجدوا أن وجهه قد سرى فيه الدم وذهب عنه السعال. فقالوا للفلاح ما الذي أطعمت أبانا حتى عادت اليه صحته؟ أجاب أنه طعامنا الأعتيادي، ولكن أباكم أستحسن ثمرة نبات بري وأكله، فربما كان له مفعول سحري، فضحك الجميع. ولكن لا بد من معرفة ماجرى فأخذوا الرجل مرة أخرى الى الطبيب. لما رآه وفحصه لم يكد يصدق. فسألهم ما الخبر فقصوا عليه القصة. فطلب منهم أن يحضروا له بعض تلك الثمار. وعندما فحصها وجد أن هناك مادة فعالة بتركيز عال في تلك الثمار تشبه أحد الأدوية التي تستخدم لعلاج مرض آخر لا علاقة له بمرض الرجل. وللتأكد أعطى الطبيب الرجل ذلك الدواء على أن يعود الى بيته في المدينة. وفعلا فقد بدأت حالة الرجل بالتحسن فأقترح على العائلة أنه ممكن التعاون معهم لتأسيس شركة لأستخلاص الدواء من النبات وتسويقه لعلاج المرض. فرأت العائلة الخير في هذا المقترح وبدؤا بتأسيس الشركة بعد اخذ الموافقات القانونية، فوقعوا عقدا مع الفلاح لشراء ثمار ذلك العشب حصريأ اليهم، وكان الطبيب يساعدهم بالفحوصات اللازمة مقابل أجر معين.
وهكذا عين مالك الشركة ، وهي تلك العائلة الغنية، مجلساً لأدارة الشركة، ثم أنتخب هذا المجلس مديراً تنفيذياً، ثم عين المدير مساعديه ومستشاريه، وقام كل من المدير والمساعدين بتعيين الكفاءات والفنيين والموظفين من الخبرات الضرورية المختلفة، وتم تعيين المستخدمين كل في مجال أختصاصه.
كانت هناك أيضاً بعض الشركات الأجنبية تنتج نفس الدواء صناعياً و بأسماء مختلفة. وبدأ الأنتاج والتوزيع للصيدليات  بسعر أقل كثيراً من سعر الدواء المصنع المستورد. فكان الجميع مستفيد من هذه الشركة بطريقة أو بأخرى. العائلة تجني الأرباح والفلاح يقطف الثمار ويحصل على النقود والطبيب ومجلس الأدارة يهتم بنجاح الشركة لكي تستمر ويستلمون رواتبهم والمدير يهتم بجودة الأنتاج كي تكثر المبيعات ويستمر في وظيفته وكذلك باقي الكفاءات والفنيين والموظفين والمستخدمين يهمهم الأستمرار لأستلام رواتبهم. والمرضى أرتاحوا للأسعار الجديدة.
الواضح من هنا أن المتضرر الأكبرمن نجاح شركتنا هو الشركات التي تنتج نفس الدواء صناعياً. ومما يميز شركتنا أنها تستخدم أعشاباً موجودة في البلد ولها الحق المطلق لجنيه ومعالجته وتصنيعه وصولا الى الدواء. أما الشركات الباقية فكلها تستخدم الصناعات الكيمياوية لتصنيع هذا الدواء. ولذلك فأن التنافس كان على أشده.
ولكن، وآه من هذه الـ “لكن”، ما حدث هو ان المدير التنفيذي للشركة أغرته الأموال وزاد نهمه، فهو يريد أكثر من راتبه. ولكي يصل الى مبتغاه لابد من خطة محكمة. أن أول عنصر في الخطة هو كسب مجلس الأدارة للتغاضي عن بعض الحسابات والأموال، ولكن هذا ليس مجاناً فقد وعدهم أن يدفع لهم بعض الأرباح خارج التخصيصات. وفعل الشيء نفسه مع المساعدين فاعطاهم المكافآت. أما الكفاءات والموظفين والفنيين فلا داعي لزيادة رواتبهم بل فقط توجيه كتب الشكر والتقدير لهم، فهم يكدحون من أجل لقمة العيش ويحاولون أرضاء المدير. أما المستخدمون فهؤلاء ممكن للمدير أن سيتفيد منهم، فالسائق سوف يستخدمه للأمور العائلية، والمنظفون والعمال كذلك يستعين بهم في بيته لرفع المتاعب عن الزوجة المدللة. وبدأت خطته في النجاح والكل مرتاح بقدرما ويحبون المدير. ولكن في السنة التالية قل المحصول من ثمار الأعشاب والسبب أن الفلاح أصبح جشعاً عندما أتصلت به أحدى الشركات المنافسة وعرضت عليه مبلغاً مغرياً ولكنه تردد أن يبيعهم الثمر لأنه مرتبط بعقد مع تلك العائلة التي تربطه بها علاقة خاصة. فاقترحت عليه تلك الشركة أن يبيعها اوراق ذلك العشب، وبذلك سيحصل على أموال أضافية ولا يتناقض هذا مع العقد الآخر. فوافق الفلاح ولكنه لم يبلغ العائلة الصديقة لأنه أعتقد ان ذلك من حقه. وما أنتهت السنة حتى قل الثمرالمجهز. وبذلك قل دخل شركتنا وما كان على المدير الا الأتصال بالفلاح ليرى سبب شحة الثمار، فقال له الفلاح ربما هذا الموسم قليل بسبب جفاف المناخ. ولكن الفلاح لا يعلم أن سبب قلة الثمر هو قطف الكثير من اوراق تلك الأعشاب الذي أثر على كمية الثمر. فاضطر المدير الى أن يعدل من طريقة لأدارة أمور الشركة. فالمالك من السهل أقناعه بأن العشب المستخدم في صناعة الدواء هذه السنة ليس وفيراً بسبب المناخ ولذلك قلت العائدات. أما الفنيون والكفاءات فسوف يستخدم معهم نفس العذر لأن المنتوج أقل هذه السنة والتنافس أشتد مع الشركات الأخرى ولذلك يجب شد الحزمة وتقليل الرواتب وتسريح بعض الفنيين أن أستمرت الأزمة، وقد تقبلوا هذا على مضض. أما مجلس الأدارة والمستشارون فقد أشترى ذممهم بزيادة المكافآت والأيفادات لكي يحموا ظهره. أما المستخدمون فقد أجتمع معهم كل على انفراد وخيرهم بين التسريح أو الأستمرار بشرط تزويده بأخبار الفنيين والكفاءات والموظفين وأبلاغه عن كل من يتململ ويتضجر. وبالفعل فقد أستغنى عن بعض الفنيين والموظفين الذين جاءت أخبارهم غير مرضية أو تضجروا، فاستبدلهم بالمساعدين الفنيين ذوي الخبرة الأقل. البعض من هؤلاء الفنيين المبعدين ذهبوا الى الخارج للعمل في الشركات المنافسة ولكن بأجور زهيدة، ولكنهم أحتفظوا بعلاقاتهم وصداقاتهم مع من تبقى من الموظفين، وكانت أخبار الشركة تنقل اليهم. وهكذا أستمر الحال سنة أخرى ومجلس الأدارة والمستشارون فرحون، أما الفنيون فخائفون من فقدان وظائفهم وساكتون أو مسكوتون. المستخدمون تقبلوا الأمر الواقع وهم يتكلمون كل الخير عن المدير ويحاولون أرضاءه بالكلام المعسول والأطراء وتزويده بالأخبار ساعة بساعة.
أستمر هذا الحال سنة أخرى فازدادت نقمة المالك والفنيين والموظفين على المدير. وبدأ الموظفون بالأتصال مع أصدقاءهم الذين أبعدوا من الشركة. وهكذا قرر هؤلاء عمل شيء ما للأنتقام من المدير. وكان الجميع متفقين على أخراج المدير ومستشاريه من الشركة وأجراء عملية التغيير بأي ثمن ولكن كانوا غير متفقين على خطة ما بعد التغيير فأجلوا هذه المشكلة لما بعد تغيير أدارة الشركة. وهنا بدأت الخطة بأقناع الشركات الأخرى على مساعدتهم، ولهذا الغرض طلبت تلك الشركات من أولئك الموظفين السابقين بتزويدهم بأخبار الشركة وأنتاجها وأسماء المتنفذين بها. فبدأت أخبار الشركة تتسرب الى الشركات الأخرى والتي يهمها أغتنام الفرصة للقضاء على الشركة المنافسة ولا يهمها هؤلاء الناس الناقمين. ولأجل تنفيذ المخطط أتفقت الشركات المنافسة على خفض سعر دواءهم الى أقل من سعر التكلفة لأخراج شركتنا من السوق. وبالفعل فأن الشركة المعنية لم تستطع مسايرة الأسعار الجديدة فأول ما كان أن فقد المستشارون أمتيازاتهم وقلت رواتبهم وبدأوا يتضجرون و يتسربون من الشركة تحت شتى الأعذار. وازداد المدير غضباً عليهم فأرسل بعض مستخدمي الشركة بتتبع أخبارهم والتخلص منهم حتى لا يفضحونه أو يتعاونون مع الشركات الأخرى، ولكن الأمور بدأت تسير الى الهاوية بسرعة الى أن جندت تلك الشركات بعض الحاقدين على المدير ومساعدتهم بالهجوم على الشركة واحراق جزء منها بصورة سرية، فحصل هذا. وفي اليوم التالي وجد المدير ميتاً في مكتبه. فقيل أنه هو من أحرق الشركة وأنتحر وقيل أنه مات مسموماً. أما المالكون فأصبح لاحول ولا قوة لهم، وبدؤا يفكرون بالتعاون مع الشركات المنافسة فعرضوا عليهم أسهما كبيرة في شركتهم المتضررة بأي ثمن. وهذا ماحصل، فبيعت معظم الشركة وأتصلت الشركات الأجنبية بالفلاح منتج الأعشاب لشراء كل أجزاء الثمار على أن لا يبيع الأوراق ولا جذور تلك الأعشاب الا لهم، وتم الأتفاق.
أرسلت الشركات الأجنبية طاقماً لأدارة الشركة وقامت بتعيين بعض الموظفين السابقين المبعدين الذين عادوا الى الشركة. أما المستخدمون السابقون فقد غيروا جلودهم وساعدوا الأدارة الجديدة على تمشية أمور الشركة. أما بعض الموظفين والفنيين المخضرمين فقد أنكفأوا وشعارهم لنترك العاصفة حتى تهدأ والتراب ينقشع والماء يصفى.  وهكذا حصل التغيير والآن جاء دور أدارة التغيير.
لقد عاد المستخدمون بعد مرحلة التغيير ليعيدوا الكرة ويتقربوا الى المدير الجديد وابلاغه بكل أسرار الشركة التي كانت خافية. وبعد سنة من هذا التغيير بدأ هؤلاء المستخدمون وبعض الموظفين بالتغلغل في الشركة وأستطاعوا تحجيم المدير وتهديد مجلس الأدارة الجديدين والموظفين المنكفئين على أنفسهم أن لم يتعاونوا معهم.  وقربوا أصدقاءهم وأقاربهم الذين لا خبرة لهم بصناعة الدواء، الى أن عادت الشركة الى الوراء من جديد لغياب المهنية. أما المالك الأصلي فلم يستفد من هذا التغيير ولم يستلم مستحقاته حتى دب الضعف واليأس اليه وهو يصرخ ولا من مجيب. أدى هذا الى ترك المدير الجديد للشركة وضعف أنتاج الشركة بعد قلة محصول الأعشاب و شيخوخة الفلاح ولم يهتم أبنه بالعناية بالمزرعة. فقامت الشركات التي أشترت الشركة ببيع حصصها الى بعض الموظفين الجدد والمستخدمين بسعر زهيد، ففرحوا بذلك وعينوا مديراً منهم. ولكن ما أن أستلموا الأدارة واجهوا الحقيقة بأنهم لا يعرفون كيف يديرون الشركة ولا كيف يديرون عجلة التغيير للنهوض بالشركة. وبذلك فأن الشركة لم تجن أرباحاً تذكر لأن هؤلاء كانوا يسرقون كل الأرباح، وهنا بدأت المشاكل مع الجزء الآخر من الموظفين والفنيين الرافضين لمسيرة الشركة. وبما أن السراق كثروا، تشكلت جبهات وعصابات كل يريد ان يستفيد أقصى ما يمكن، فتصادموا ونشبت المعارك الكلامية بينهم وأدى هذا الى ترك البعض للشركة. وأتفق الموظفون الجدد وعلى رأسهم المدير الجديد، الذي كان أحد المستخدمين السابقين، على طلب المساعدة من أحدى الشركات فوجدوا ضالتهم ولكنها فرضت عليهم شروطاً قاسية وقبلوها لأنه لا بديل لديهم، وهكذا أصبحوا رهن أشارة تلك الشركة، تعين من تشاء وتبعد من تشاء. ولم يرق هذا للجزء الآخر من الموظفين فتطورت المعارك الكلامية الى شجار بالأيدي والعصي، أما المالك الأصلي فازداد فقراً ومرضا والتزم الفراش. وهكذا أنشقت الشركة الى قسمين، وآلت الى الأندثار مما سمح للأخرين من السيطرة عليها.

في القسم التالي من المقالة سنرى ما هي العبر من الحوادث التي مرت بهذه الشركة ومالكها المسكين.

ملاحظة: نرجو ذكرهذه المقالة عند أقتباس اي جزء.

مقالات اخري للكاتب

أخر الاخبار

كتابات الثقافية

عطر الكتب