18 فبراير، 2024 8:03 م

بوتين.. أبو الهول الروسي

Facebook
Twitter
LinkedIn

عرضت قناة (سي .أن .ان) الامريكية منذ أيام فيلماً عن الرئيس الروسي الدكتور فلاديمير بوتين وصفته بأنه أقوى شخصية سياسية في العالم.وجاء ذلك بمناسبة اختتام السنة الخامسة لولايته الرئاسية الثالثة في شهر آذار. والحقيقة ان الكثيرين حتى في روسيا يعتبرونه شخصية غامضة مثل ” أبو الهول”، وصدرت عشرات الكتب باللغة الروسية وغيرها في دراسة ظاهرة فلاديمير بوتين وصعوده السريع الى منصب الرئاسة والبقاء فيه حتى اليوم… وخلال 16 عاما بعد ان كان في عام 1999 مساعداً لرئيس بلدية سانكت – بطرسبورغ للشؤون الاقتصادية فقط. وحدث هذا بعد ان ترك وظيفته السابقة في جهاز الاستخبارات الخارجية السوفييتية  بسبب انهيار الاتحاد السوفييتي.

لقد تدهورت أوضاع روسيا بعد تفكك الاتحاد السوفييتي وفترة ضعف مؤسسات الدولة في عهد الرئيس الأسبق بوريس يلتسين ، فقامت الحرب الشيشانية ونُهبت المؤسسات الاقتصادية والصناعية الكبرى وانهار الجيش وأجهزة الأمن وقُصف مبنى البرلمان واحتدم الصراع بين القوى الداخلية الراغبة في السلطة في غياب الحزب الشيوعي السوفييتي. وتوقع الكثيرون تواصل تفكك الاتحاد الروسي وفقدان روسيا لمكانتها كدولة نووية كبرى. وفي هذه الظروف واجهت البلاد أحد أمرين: اما الانهيار، وأما استجماع قواها كلها من أجل النهوض واسترجاع مكانتها السابقة. وقد أدرك الرئيس يلتسين ان زمام السلطة قد أفلت من يديه فعلا حيث استولت الفئة الاوليجاركية اليهودية الملتفة حول “عائلة يلتسين ” على مقاليد السلطة من امثال بيريزوفسكي وابراموفيتش وجوسينسكي وأفين وغيرهم ، فأعلن استقالته بعد مرضه وتدهور شعبيته حتى بلغت نسبة 16 بالمئة فقط.
تولى بوتين منصب الرئيس بالوكالة حسب الدستور الذي ينص على ان يتولى هذا المنصب رئيس الوزراء في حالة فراغ مقعد الرئاسة. واستقبل الناس ظهوره بلا مبالاة لأنهم اعتادوا في الفترة الاخيرة من حكم يلتسين على تغيير المسؤولين في الدولة في كل شهر تقريبا. كما ان بوتين كان شخصية غير معروفة كثيرا في الساحة السياسية الروسية، وتوقعوا ان يكون الرئيس القادم أحد الشخصيات الاخرى من حاشيته مثل بوريس نيمتسوف وسيرجي ستيباشين والكسي كودرين.لذا كان تعيينه في منصب رئيس الحكومة مفاجئا جدا .
والآن اصبحت موضة شائعة في اوساط المعادين لبوتين في روسيا وخارجها كيل شتى النعوت والاوصاف للرئيس الروسي بأنه دكتاتور وقيصر وحتى وصفه الشيوعي العراقي السابق عزيز الحاج في موقع ” ايلاف” بأنه هتلر رقم 2. ويوجه الغرب اليه التهم بأنه يقف وراء جميع الكوارث السياسية وغير السياسية في العالم. ولكن الموضوعية تتطلب منا  ألا نلقي الاتهامات عبثاً لرجل في مكانة بوتين ، فهو انسان مثل بقية البشر له ماضيه وحاضره و” بقع مجهولة ” في سيرة حياته .
بالمناسبة ان الصحافة الروسية لا تتطرق البتة الى حياته العائلية . ويعرف فقط طلاقه من زوجته الذي أعلنه بوتين نفسه في لقاء معها أمام كاميرا التلفزيون قبل عدة اعوام، كما ان ابنتيه درستا في البداية وقبل ان يصبح رئيسا في المدرسة التابعة للسفارة الالمانية بموسكو وتتقنان مثله اللغة الالمانية  لكنهما تحملان اسماء مستعارة ولا يعرف أحد إلا ذوي العلاقة بانهما من عائلة بوتين. ويعرف ايضا حبه لرياضة الجودو واصناف المصارعة اليابانية التي مارسها خلال عدة سنين وكذلك التزلج على الثلج والفروسية. كما يعرف حبه للموسيقى الكلاسيكية ومطالعة الكتب ولاسيما في التاريخ.
ان فلاديمير بوتين اتبع دوما سياسة الموازنة بين القوى السياسية في الداخل ،وعمل على تهميش دور القوى اللبرالية الروسية الى أدنى حد بينما تفاهم مع القوى اليسارية ويسار الوسط الممثلة في البرلمان. علما انه وعد الرئيس يلتسين لدى توليه منصب الرئاسة بألا يمس أحدا من حاشية الرئيس السابق لمدة عام . لكنه ما زال حتى الآن يقيم علاقات طيبة مع اسرة يلتسين ، واقام في الكرملين في الاسبوع الماضي مأدبة فخمة على شرف نايينا يلتسينا أرملة الرئيس الراحل بمناسبة بلوغها سن الخامسة والثمانين. كما لا يزال العديد من حاشية يلتسين يشغلون مناصب مهمة في المؤسسات والشركات الروسية التي تدعمها الحكومة. لكنه إتّبع منذ البداية النهج الذي قال عنه ستوليبين رئيس الوزراء الروسي في عام 1910 مخاطباً اللبراليين : انتم تريدون الهزات العظمى وانا اريد بناء روسيا العظمى. أي ان بوتين ينتمي الى الفريق الذي سُمي منذ القرن التاسع عشر باسم ” غوسودارستفنيكي” ، أي انصار الدولة القوية مقابل “زابدنيكي” أي انصار التقارب مع الغرب حتى لو فقدت روسيا هيبتها ومكانتها، لتطلعهم الى اسلوب الحياة في اوروبا الغربية. وكان دوستويفسكي أحد أكبر أنصار الفئة الاولى. صفوة القول ان بوتين وضع هدفا له اعادة روسيا الى الساحة الدولية كدولة كبرى لها دور حاسم في الشؤون  الدولية وذلك انطلاقاً من موقعها الجغرافي وقدراتها الاقتصادية والنووية. وقد أعلن بوتين ذلك بصراحة في مؤتمر الأمن الاوروبي الذي عُقد في ميونيخ في 10 فباير/شباط عام 2007 حيث قال ان روسيا غير مستعدة للتنازل عن جزء من سيادتها لصالح القطب الواحد اي الولايات المتحدة ، كما فعلت ذلك دول الاتحاد الاوروبي. وان هيئة الأمم المتحدة هي الجهة الوحيدة التي تقرر متى تستخدم القوة العسكرية لصالح الأمن الدولي ولا يمكن ان تفعل ذلك دولة واحدة (قامت الولايات المتحدة بغزو افغانستان والعراق وقصفت البلقان وليبيا). وبدأت منذ ذلك الحين حملة عنيفة ضد روسيا على مختلف الجبهات – الاقتصادية والعسكرية والاجتماعية والرياضية والثقافية وقضايا حقوق الانسان. لكن بوتين عرف ان قوة روسيا تكمن في أمرين هما – الجيش القوي والاقتصاد القوي ، ولذا ركز على هذين الجانبين . لقد إستخدمت الدول الغربية كل طاقاتها للتشهير بالسلطة الروسية برئاسة بوتين.ولكن روسيا صمدت أمام جميع هذه الهجمات  حتى الآن بقوة ارادة بوتين بالذات الذي أنهى بسرعة الحرب الشيشانية المدعومة من قبل قوى خارجية وغايتها فصل شمال القوقاز عن روسيا ، كما وقف بحزم امام هجوم القوات الجورجية على اوسيتيا الجنوبية في عام 2008 وأفشل الخطة العسكرية التي وضعها جنرال اسرائيلي هناك بمساعدة خبراء عسكريين أمريكيين. وعندما وقعت الأزمة الاوكرانية سارع فورا الى اجراء الاستفتاء في القرم حيث تسكن أغلبية روسية وتم ضم القرم الى روسيا من دون أية عملية عسكرية، حيث انسحبت القوات الاوكرانية من هناك بهدوء تاركة المعدات العسكرية القديمة في ثكناتها. ووقف بوتين بحزم حيال العقوبات الغربية ، وتوجه الى الشرق فورا وعقد اتفاقية طويلة الأمد لتزويد الصين بالغاز الروسي. كما وطّد العلاقات أكثر مع الهند وايران وجمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق في آسيا الوسطى. وعندما وقعت الاحداث في سورية واراد الغرب تكرار السيناريو الليبي هناك وقف بوتين ضد الجماعات المسلحة التي دربتها وجهزتها دول موالية للغرب. واستطاع بسرعة اعادة تجهيز ودعم الجيش السوري من الجو. واعتبر بوتين الارهاب الخطر الأكبر على الأمن الدولي ودعا الدول الغربية الى تشكيل جبهة موحدة ضد الارهاب الذي بات يشكل خطرا حتى على الاتحاد الاوروبي الذي تكررت فيه العمليات الارهابية.
وبالرغم من كل ما تكتبه الصحف ووسائل الاعلام المعادية عن ” خطر ” بوتين على الديمقراطية الغربية فإنه يقف بثبات على الجبهة الداخلية بالرغم من ان وزارة الخارجية الامريكية اعتمدت(رسميا) مبلغ 25 مليون دولار لدعم الديمقراطية في روسيا – اي لدعم الطابور الخامس الموجود في البلاد.
إن بوتين ما زال يتمتع بدعم غالبية الشعب الروسي لأنه استطاع خلال 16 عاما من وجوده في السلطة ان يزيد ميزانية الدولة بـ 22 مرة والنفقات العسكرية بـ 30 مرة والناتج القومي الاجمالي بـ 12. وتحتل روسيا المرتبة السادسة في العالم في حجم الانتاج القومي الاجمالي.
لقد حققت روسيا خلال 16 عاما الماضية الانجازات التالية: ازداد احتياطي الذهب والعملة الصعبة بمقدار 48 مرة. وأعاد الى السيادة الروسية 256 من مكامن الثروات الطبيعية  التي استولى عليها القطاع الخاص والشركات الاجنبية في عهد يلتسين.  وقام بتأميم 65 بالمئة من صناعة النفط و95 بالمئة من صناعة الغاز. وحدث في الاعوام الاخيرة ولاسيما بعد فرض العقوبات الغربية نهوض في الصناعة والزراعة ، واصبحت روسيا في طليعة الدول المصدر للحبوب بعد ان كانت في العهد السوفييتي تستورد الحبوب من كندا والولايات المتحدة واستراليا. كما نقصت الوفيات في عهد بوتين فقد كانت في عام 1999 نحو مليون ونصف مليون وفاة ووصلت في عام 2011 الى 21 ألفا اي ان النقصان بمعدل 5ر71 مرة. كما سددت روسيا الديون الخارجية كلها والبالغة 400 مليار دولار الى صندوق النقد الدولي وغيره من المؤسسات. ان الانسان الروسي العادي يهتم كثيرا بمكانة بلاده في العالم كما يهتم بما تحقق من انجازات . علما ان بوتين غالبا ما يردد بانه لا يريد ان تصبح دولته الدولة القائدة في العالم بل يريد ان تصبح احد الاقطاب فحسب ، وهي الفكرة التى طرحها السياسي المخضرم الروسي يفجيني بريماكوف منذ انهيار الاتحاد السوفيتي.
ويعتقد المحللون السياسيون بموسكو ان هدف بوتين هو البقاء في السلطة حتى عام 2024 من أجل استكمال اصلاح المنظومة السياسية الروسية الموروثة عن الاتحاد السوفيتي. وبما أنه ذو نزعة براجماتية فسيعمل جهده من أجل ايجاد لغة مشتركة بعيدا عن اية ايديولوجية مع الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي والدول الأخرى ، الذي بدأ بالتخلخل بعد خروج بريطانيا منه وتغيّر مواقف بعض الدول ومعارضة بعض دوله للعقوبات ضد روسيا التي مست مصالحها أيضا. ويجرى حاليا تشكيل ميزان دولي جديد ستكون روسيا طرفاً مهماً فيه.

نقلا عن المدى

مقالات اخري للكاتب

أخر الاخبار

كتابات الثقافية

عطر الكتب