26 مايو، 2024 3:45 م
Search
Close this search box.

المسـألة الدينيـة فـي القرن الواحد والعشريـن

Facebook
Twitter
LinkedIn

مـا من شك والذي لا يختلف عليه احد ، أن هناك أمورا استحدثت لم تكن موجودة من قبل ، جعلت الإنسـان اليوم يختلف عن الإنسان في الأمس الذي خاطبه أنبياء الله من عشرات القرون . فإنسان القرن الأول غير إنسان القرن الواحد والعشرين بسبب الكثير من العوامل جعلته كذلك ولكن مبدأ الشرائع السماوية وخاصة الشريعة الإسلامية لا يتغير مع إنسان أي قرن ، لأن إحكام وقواعد الدين الإسلامي تلائم الإنسان في أية مرحلة بل هي صالحة لكل زمان وفي أي عصر . فلو تمسك هذا الإنسان بدينه سيجد إن دينـه حضاري متجدد ، ولو تبين أي خلل فليس ذلك سببه الدين وإنما يرجع إلى خلل في ذات الإنسان نفسه ، هذا جانب . جانب آخر ، ليس من المعقول مثلا أن يبقى أي واحد منا بعيداً عن احد مجريات الحياة الخطيرة إلا وهو عودة الظواهر الدينية المتخلفة بتزمتها التمذهبي الطائفي المتطرف ، بحجج واهية تعكس لا اباليتنا أو عدم اهتمامنا على أساس أنها أمور نستعيد حدوثها لأنها خارج حدود عقلنا الديني الإيماني السمح الجمعـي ، ونحن ربما نطفوا فوقها وقد تنفجر من تحتنا في أية لحظة وبعدها نصبح نحن والوطن فـي خبر كان … لا سمح الله .
    إن علـى رجال الدين والفكر والصحافة ، أن يدركوا أنهم لو وقفوا جميعاً ضد الظاهرة الدينية المتخلفة فسيـكون لهذه الوقفة أثرها في إنقاذنا وإنقاذ مستقبل الأجيال القادمة . فالظواهر الدينية المتخلفة اليوم يمكن أن تطول إفرادا هنا وهناك معدودين ، ولكن لا يمكن لرصاصاتها أو عبواتها المفخخة أن تطول الجميع خاصة عندما يقفون في وجهها وقفة جادة وجماعيـة .
    مـن هذا المنطلق تناول جورج قرم المسألة /الظاهرة الدينية التي بدأت تواجهنا اليوم ونحن في هذا الظـرف القاهر والشائك والمعقد في كتابه الذي نحن بصدد مراجعتـه . والمـؤلف في كتابه هذا ، تجشم عناء بحث طويل في مضان العلاقات المعقدة بين الدين والسياسة ، في مجتمعاتنا التوحيدية . وعسىُ- يأمل المؤلف – أن يكون كتابه مساهمة في ما نحتاج إليه من تقوية ثقافتنا العربية التاريخية والسياسية للإفلات تدريجياً من الحالة المخزية التي نحن فيها والتي تتجسد في تفجر الضغائن الطائفية والمذهبية في ما بيننـا .
    وكـانت الملامح الأولى لهذا المسار قد ظهرت خلال الفتنة اللبنانية الطويلة 1975-1990 . إمـا اليـوم فان المشهد الفلسطيني أو اللبناني أو العراقي لهو مشهد مفجع يرفضه كل إنسان عاقل ، وهو مشهد يزيد من القلاقل حول الهوية والمصيـر.
    وإذا كـانت أعمال المقاومة ضد المحتل لابد منها عسكرياً ، فان هذه المقاومة باختلاف الظروف الخاصـة بكل واحدة منها يجب أيضا أن تندرج في أطار من الفكر والثقافة اللذين لابد من تقويتهما وتطويرهمـا . فرفع راية الدين في حد ذاته ولو انه يثير حماسة الناس ، فهو كما تشهده الساحة يؤدي أيضا إلى تنامي احتمال انفجار الفتنة الداخلية إضافة إلى كونه يستخدم أيضا من قبل الإعلام الغربي والإسرائيلي كمادة إعلامية مضادة للموقف العربـي .
    فـفي هذا الزمن الرديء الذي نعيش فيه حيث انتشرت كالوباء القاتل النظريات السخيفة حول عودة الظـواهر الدينية إلى التسلط على كل جوانب الحياة السياسية والاجتماعية ، فان التحليل الجديد الذي يقدمـه جورج قرم إلى القارئ يسعى إلى توضيح ما يحصل في وطننا العربي والمجتمعات الإسلامية الأخرى ، وكذلك في العالم الغربي ونحن العرب في حالة صدام متجدد معـه .
    وبمـا أن المؤلف اعتقد أن التطورات فـي منطقة ما وبشكل خاص منطقتنا العـربية ، لا يمكن أن تحلل بمعزل عما يجري من تطورات في مناطق أخرى من العالم فان كتابه هذا سيقدم للقارئ العربي محاولة لربط الإحداث الجسيمة التــي نعيشها بإحداث أخرى لا تقل أهميـة وخطورة ، وقد حصلت في المجتمعات المسيحية الغربية في القرون السابقة في ظروف تاريخية قد تشبه الظروف التي نعيشها نحن العـرب الآن .
    والحقـيقة إن المؤلف عندما قام بسبر غور ما حصل من تطورات عملاقة أخذت طابعاً أسطوريا في تاريـخ كل من الديانات الإسلامية والمسيحية واليهودية وتأثيرات هذه التطورات على الحياة السياسية والثقافية وعلى تطور الحضارة في ما اسماها المجتمعات التوحيدية ، فانه شعر – على حد قوله – بوجود فريد من الربط بين تلك الإحداث القديمة في ديار النصارى والإحداث التي نعيشها في مجتمعاتنا العربية وبعض المجتمعات الإسلامية غير العربيـة .
    وعنـدما نتعمق في الشرخ – يشير المؤلف – الذي وصفه بالأسطوري الطابع بين (نحن) كعرب أو كمسلميـن و (هم) أي بشكل خاص بالنسبة إلينا ، المجتمعات الغربية ذات التاريخ المسيحي الطويل بل الأطول بقرون عدة من تاريخ الإسلام ، ينفتح الباب واسعاً لاستكشاف الروابط المعقدة والوثيقة في انموذج نمطي واحد مبني على روايات التوراة أو ما يسمى أيضا بالإسرائيليات . ولابد – يؤكد المؤلف- من النظر فـي هذا الأنموذج على انه يربط النماذج الفرعية التاريخية الثلاثة ، اليهودي والمسيحي والإسلامي ، وهـي نماذج نابعة من بنية التوحيد الديني الذي يلقى صعوبة كبيرة في التعامل مع تعدد أهواء البشر والميل الفطري إلى تكوين المذاهب والفرق والأحزاب في تأويل نصوص الوحي الدينـي حتى ضمن الدين الواحـد ما يّولد صراعات طويلة ومعقدة يمكن أن تأخذ طابعاً دموياً وتخلق نفسيات متوترة ومعذبـة .
    لعـل ما ينقصنا نحن العرب – يتفجع المؤلف- في ثقافتنا العربية الحديثة ، هو هذه النظرة الأكثر شموليـة واتساعاً إلى ما نعانيه من ظواهر العجز التاريخي والضعف والوهن أمام البلدان الغربية الكبرى من جهة وما نعانيه أيضا من قلة تماسك مجتمعاتنا القطرية العربية داخل كل قطر أولا وكذلك بين الأنظمة القطرية العربية من جهة أخرى . وهذه الظاهرة تعظّم من حالة الوهن أمام جبروت البلدان الغربية وتحالفها مع إسرائيل وإطماعها في خيرات الأمة العربية ورغبتها في السيطرة علينا بشكل استعماري فج ومتأجج .
    لقـد سعى المؤلف من خلال كتابه إلى تبيان سخافة الأفكار والرؤى التي تحملها القيادات السياسية الغربيـة ومدى الضرر الذي تلحقها بنا بشكل خاص .
    فـلنترك القيادات السياسية والأعمال الأكاديمية الغربية المنخرطة فيها – يقول المؤلف- أما نحن العـرب فعلينا أن نعيد بناء منظومة ثقافية كأساس لنهضة عربية ثانية مستقلة عما يأتينا من الغرب من دفق أعلامي وأكاديمي متواصل ، أصبحنا مسجونين فيه . وعلينا – والكلام مازال للمؤلف- أن ندخل في مراجعة نقدية صارمة لممارساتنا الثقافية والإعلامية التي صارت تشبه إلى حد بعيد ما يصدره إلينا الغرب مـن أدبيات مفخخة حول عودة الديني وحرب الحضارات والقيم اليهودية – المسيحية فـي مقابل قيم عربية – أسلامية . فهذا شأنهم وهذا ما يفسره اليوم تاريخ أوروبا المعقد للغايـة .
    أمـا شأننا كمثقفين وأكاديميين ورجال أعلام عرب فهو أعادة النظر النقدية في تاريخنا المعقد أيضا بكـل ما يتوافر لنا من أساليب العلم وغنى المقاربات التاريخية بين تطورنا الحديث المشوه وتطور المجتمعات الأخرى وبشكل خاص الشعوب التي استطاعت الإفلات من الهيمنة الغربيـة . بينمـا نحن ما نزال نتخبط في دنيا الفشل والبقاء تحت هيمنة خارجية أكثر شراسة من أي وقت مضى في تاريخنا المعاصر وحالة انقسام في ما بيننا حكاماً وشعوباً وطوائف ومذاهب ، وهي الحالة التي تؤيد المسار ألانحطاطي وسيطرة الآخرين علينـا .
    إن تركيـز المؤلف على الاستخدام السافر للدين عند الغرب في سياساته الخارجية خاصة تجاه منطقتنا العربيـة ، يهدف إلى تمكيننا من الرد على ادعاءات الغرب بأن التعصب الإسلامي هو العامل الرئيسي في حالات النزاع والتوتر والاستيطان والغزوات والحروب … بينما البلدان الغربية هي المسؤولة عنها إلى حد بعيد بما لها من تقاليد تاريخية في توظيف الدين في السياسة وألباس مطامعها الاستعمارية الدنيوية رداءاً من الايديولوجيا الدينية الحادة . لذلك ، دعى المؤلف إلى أحياء تراث فلسفة الأنوار الأوروبية من جهة والنهضة العربية الأولى من جهة ثانية ، لأن المؤلف يعتقد أن اللغة النهضوية العربية هذه ولغة الأنوار ومبادئ الثورتين الأميركية والفرنسية هي الوحيدة التي يمكن أن نتحاور من خلالها مع الفكر الغربي بدلاً من اللغة السطحية المتعلقة بصدام أو حوار الحضارات ، فهذه اللغة الأخيرة ليست ألا ملهاة لتحويل الأنظار عن قضايانا الوضعية الدنيوية في الجوهر التي تسبب الأوضاع المتفجرة التي نحن فيها وتسيطر على نمط علاقتنا اللا متكافئة مع الدول الغربية العائدة إلى أهوائها الاستعمارية السابقة بغطاء التنظير حول ظاهرة عودة الدين والصراع المحتم بين الحضـارات .
    لقـد وجد الدين نفسه وسلطته في صميم السجالات ونحن في  بدايات القرن الواحد والعشرين . ليـس من الأكيد أن نظاماً جديداً يمكن قيامه ليفرض السلم على عالمنا في غياب أجماع حول منظومة قيم سياسية خليقة بتنظيم العلاقات بين المجتمعات والأفراد ، بين الجمعي والفردي ، وبين الأشكال المتباينة التي ترتديها السلطة والمرجعية في عالم يبحث عن استقرار غير متوافر حتى اليوم .. لكن في الأغلب يترجم اللجوء إلى الديني وجود أزمة شرعية السلطة السياسية .. وما يقلل من تسليط الضوء عليه هو أزمة الديني ذاته الذي قاد السلطة الدينية إلى الاستعانة بالسلطة السياسية على أمل حصر أزمتها الخاصة بهـا .
    ويبـدو لنا أن هذه الأزمة المزدوجة تطاول بنحو خاص المجتمعات ذات التقاليد الدينية التوحيدية ، أي العـالم الإسلامي – المسيحي واليهودي حيث تشتد التوترات السياسية – الدينية أكثر فأكثر وتخلق حالة من الفوضى او من التوتر المتواصل ، وغالباً من ظواهر تكاثر أعمال العنـف .
    إن الـفكر الجاهز الجديد الذي غزا عالمنا الثقافي والذي يدأب لكي يوطد شرعية هذه الحالة الفوضوية فـي نظرية عقيدية في ايديولوجيا جديدة ، إنما هو حقاً فكر حرب الحضارات المفهومة بمعنى حرب دينية وثقافية . وفي هذه النظرية لم يعد النزاع الأكبر في القرن الواحد والعشرين نزاع مجابهة القوميات الكبرى الذي بدأ في القرن التاسع عشر ليتواصل ويتفجر في حربين عالميتين كبيرتين في القرن العشرين . ولم يعد نزاع المجابهة بين ايديولوجيتين علمانيتين كبيرتين الرأسمالية الليبرالية والاشتراكية الذي ترجم بالحرب الباردة في القرن العشرين بل قد يكون النزاع الأكبر هو الذي يضع عالماً يهودياً مسيحياً ليبرالياً متسامحاً ومنفتحاً حامل مشعل التقدم بمواجهة عالم الإسلام المتأخر الاستبدادي العنيف والمنطوي على ذاتـه .
    إن الاستعانة بالدينـي – أكانت متعلقة باليهودية ، بالإسلام أم بالايديولوجيا الحضارية الجديـدة لليهودية – المسيحية تبدو أنها ليست سوى نتيجة لهذه الأزمة سوى مرحلة جديدة سياسية أكثر منها دينية من تفكك الأطر التقليدية للسلطة داخل الأمم وكذلك في العلاقات بين الأمم ذاتها . فالاستعانة السياسية المكثفة بالدين في نطاق الحرب الباردة من خلال تعبئة الكاثوليكية والإسلام الأصولي على الطريقة السعودية الباكستانية .. كانت نتيجتها المفاقمة في وقت واحد لأزمة الديانات ناشرة التباساً سياسياً غير مألوف في أدراك اختلالات العالم الفوضوية الجديـدة .
    فـي ختام كتابه يدعو جورج قرم إلى ما اسماه بـ (تحالفاً جمهورياً عالمياً) بمعنى تحالف كل من يؤمـن في الشرق والغرب بقيم الانسانوية العالمية التي لا تتناقض مع مبادئ التوحيد الديني التي تتمسك بها ولا تتناقض كذلك مع مبادئ تحرير الشعوب من كل أنواع الظلم والقمع على يد شعوب أخرى ، كما ترفض استغلال حاجة الإنسان إلى الدين وهي حاجة سرمدية أبدية في الصراع على السلطة داخل كل مجتمع او في ما بين المجتمعات . والدعوة هذه لا تعني القضاء على الأنظمة الملكية بل تشير إلى مبادئ مساواة البشر في أنظمة سياسية عادلة أكانت ملكية أو جمهورية الطابع وضمن مجتمع دولي يطبق هذه المبادئ الجمهورية من دون معايير مزدوجة وبدون تطويع منظمة الأمم المتحدة واستخدامها في مشاريع الهيمنة والقمع التي تقودها الولايات المتحدة كزعيمة لحضارة يهودية مسيحية تواجه حضارة عربية – أسلاميـة .
* الكتـاب :
المسألة الدينيـة في القرن الواحد والعشريـن – جورج قرم ، ترجمة – خليل احمد خليل ، ط1 ، دار الفارابي ، بيروت ، 2007 ، 407 صفحة .

[email protected]

مقالات اخري للكاتب

أخر الاخبار

كتابات الثقافية

عطر الكتب