27 مارس، 2023 8:16 م

العقدة العربية على الأراضي التركية

معروف عن الترك انهم امة عرقية تعتز بقوميتها كثيرا وملة مهووسة بعرقها دون ان نعرف الاسباب و دون ان يعرفوا هم الاسباب ، بل دونما أي بارز ومبرر من الاسباب، ستقول ولكن ليس هناك من يهتم او يتغنى بقوميتهم كالعرب ، اقول لك نعم ، لكن العرب لم تجرّهم القومية العالية الى العرقية فضلا عن العنصرية .
العرقية كِبر قومي ولا تشين المنتمي المعتز ولكنها تقود بالضرورة الى العنصرية اذا انفلتت وهذه الاخيرة:مرض نفسي يرى فيه الانسان ان كل ماليس من قومه فهو عدو محتمل او مصدر ازعاج او في افضل التصورات “أقل منه شانا” ، وكل ماهو ليس من لغته لايستحق المبالاة فضلا عن التكريم والاحترام.
والعرب أبعد الناس عن هذا الخلق فمن ثوابتهم النفسيةوالاجتماعية اكرام الغريب ، واغاثة الملهوف ونجدة المضاف واستجارة الدخيل وحماية النزيل، وان كانوا امة فخار إلا انه ومن مصادر افتخارهم ايواء من ينزح اليهم مظلوما او مقهورا او مضافا، واذهب الى التاريخ وانظر عبره ، وليس ادل على ذلك من ان كل الامم حصلت فيها ابادات للقوميات والاقليات المساكنة في الارض الا العرب ، فقد يتقاتلون بينهم ولكن لايقاتلون من لجأ اليهم ولا يضايقونه ، “(انظر مقالي: عنصرية الغرب وسماحة العرب)
واظن ان احد اسباب اختيارهم للرسالة الخاتمة هو هذا الطبع الذي في الاساس هو من صنع الله فيهم، والا فلك ان تتخيل لو كان العرب عنصريين ولايخالطون ولايهاجرون ولايستقبلون من هاجر اليهم او من يتحدث غير لغتهم فكيف ستكون نتائج الرسالة الاسلامية وهل ستصل الى ماوصلت اليه اليوم ، والعرب تعاملوا بالروح نفسها والتواضع نفسه والتعايش حتى عندما تسيدوا العالم لسبعة قرون او يزيد ، ولم تفعل ذلك امة أخرى.
والترك بداوا بمحبة الاسلام والانخراط فيه ثم التقوّي به ثم السيادة على العالم باسمه وحكمه، ومن ضرورات محبي الاسلام محبة العرب ، فكان ذلك . ولكن الغرب عندما ادرك قوة ماسيكون عليه المسلمون اذا اجتمعت امم الترك والعرب والافارقة متوحدين متآخين اوجدوا أكذوبة “اتاتورك” ، هذا الرجل الذي استطاع في عشرين سنة ان يعيد امة الترك “ايديولوجيا” الى ماقبل عصره بألف عام ، وتمكن بدعم غربي مطلق ان يفتت قيم المجتمع الاسلامي وعادات المجتمع الشرقي في تلك البلاد في بضع سنين.
جعل الرجل محور همه وشعار حملته وبالغ جهده في انشاء دولته هو عداوة العرب ،فكان يحارب جيرانه الاوربيين الغازين لأرضه عسكريا و “شكليا” أحيانا بينما يحارب العرب خصوصا وعموم المسلمين “واقعيا” وبحماس وإصرار هدفه النهائي الاستئصال ، وهذا مالم يجرؤ عليه جمال عبد الناصر -الصنيعة المقابلة للغرب- ان يفعله “بارتياح” رغم انها من صلب مهمته لسبب انه في النهاية، عربي الاصل وفي بلد عربي ،
فهذا الرجل “مصطفى كمال” الذي ضخ له الغرب ماكنة اعلامية لقبته ب “أتاتورك” ترك كل عدو وانشغل بعداوة العرب وقوميتهم ولغتهم ، فاجتهد الرجل لمسح لغة العرب و عاداتهم واخلاقهم وعلومهم وحتى “قرآن العرب” كما يسميه ، الى ان تجرأ على دين الشعب ومعتقداته فحوّل مساجده الى اسطبلات للخيل و منع الاذان باللغة العربية ، وجعل عقوبة تعليم القران الاعدام ، فطارد المعلمين والمشايخ حتى صار التحدث باللغة العربية تهمة وتداولها حراما .انشا مؤسسات علمية ومول مراكز بحثية لمحاربة كل شيء او اثر عربي.
ارضعه الغرب بغض العرب وانشأه على عداوتهم ، بدا بتغيير الحرف العربي للغة قومه الأم في اجراء هو الاغرب من نوعه في التاريخ ، (انظر مقالي : تغيير الحرف العربي ، خطوة الغرب الكبرى لفصل الترك عن المسلمين)
فادخل على تلك البلاد كل تحلل وجعل الكفر والانسلاخ من الشرق والاسلام والعربية دستورا و صاغ لاجل ذلك قوانين ، تدعم التوجه الغربي الاخلاقي باكثر و اشنع مماكان في الغرب نفسه ، تمكين المراة من الانحلال والتحرر دون رادع او اي حساب ، والانضمام لكل اتفاق او معاهدة تدعم التحلل ومخالفة الفطرة الخلقية على شاكلة “سيداو” وغيرها ،فصارت البنت التركية الجبلية الريفية التي هي في الاصل مثل العربيات محافظة وخلقا والتزاما تترك عائلتها في سن البلوغ وتتخذ خليلا تقدمه لأخيها وابيها كما تفعل اي امراة في فرنسا او امريكا او تلك البلدان التي نزعت الماسونية الشيطانية والحركات الشاذة الاخرى غيرة الرجال واطلقت تفاهات الن.ساء .
فنشات اجيال في تركيا على افكاره ومناهج مدرسية تغذي كل ذلك فكان اقرب الى “شيطان يحكم” ، اقرب شبها اليوم الى نموذج بن سلمان وبن زايد و ماينفذانه من خطط ممنهجة لتأسيس وترسيخ الفجور والانحلال في بيئات محافظة باسم الحرية والتقدم ، فكما يدخل حكام العرب اليوم حب اليهود والغرب الى مناهجنا وبيئاتنا تمهيدا لتغيير ديموغرافي ايديولوجي مرسوم وناجز ، ادخل “مصطفى كمال” في المناهج المدرسية بغض العرب وافترى عليهم القصص المنفّرة والّفت اللجان التربوية احداثا مختلقة تسيء الى العرب وتمجد الغرب.
وماتراه اليوم ماهو الا نتاج كل هذا ، فلا تلم الشعب التركي المغيب المؤدلج لأفعاله ونفوره من العرب ، فهذه تربية 100 سنة ، ومازالت ، ولولا تدارك الحكومات الاسلامية الاخيرة منذ عشرين سنة او يزيد لما سمعت اليوم بتركيا ولا استطعت ان تصل اليها ،و هم في صراع عميق كبير متشابك مع اجنحة المعارضة العرقية والقومية والكمالية الانتماء العنصرية الفكر ، وماتحقق الى الان -لو كنت خبيرا بالداخل التركي- من تقبل مجتمعي للعرب وللانتماء الشرقي بنسبة تصل الى 50% يعتبر بمثابة معجزة ،(انظر مقالي : الهوية التركية المزدوجة والموقع الجغرافي).
فعليك ان تحمد للحاكمين اليوم ومن سبقهم في هذا الطريق جميلهم العظيم هذا مهما اختلفت معهم ، فالمهمة والتتغير ليست باليسيرة بل كانت شبه مستحيلة ولكن اكثر الناس لايعرفون .
فقد كبرت الاجيال على بغض العرب “الخونة” ، وعلى التقزز من العرب “القذرين” والخوف من العرب “المتوحشين” والتعالي على العرب “المتخلفين” ، والتخطيط لإزاحة العرب “الطفيليين” على هذه الدنيا ،
انت عندما تتكلم او تناقش هذا الامر مع صديقك العربي او قريبك فانك تتكلم بهوى وخيال ولم تر فتاة تركية جامعية خليعة المنظر تقول لك -وهي لا تدري انك عربي- ان العرب ليسوا كالحيوانات فالحيوان مسالم ونافع ويمكن ان يتعلم لكن العربي لايمكن له ذلك ،لذا لا تقل لي انك مزدوجة المعايير” و لم تجلس الى شاب تركي مثقف وهو يقول :”انا لا ادري لماذا لا ياخذ العالم اموال العرب ويطردهم مرة اخرى الى الصحاري حيث كانوا” وكلا الشخصين المتكلمين من ابوين مسلمين وجدين كانا يحلمان بتعلم اللغة العربية في العهد العثماني ليتسنى لهما العيش الكريم ،وكانت اغلب القصص والاغنيات الرومانسية على ايامهم هي عن بغداد وجمالها وسحرها وعن الحلم بزيارة مصر او العيش في الشام .
بل لم تقابل شبابا اتراك من الجيلين الاخيرين ينتمون الى حركات اسلامية سياسية “تخيل” ويشتمون العرب ويتقربون الى الشعب والى الله ببغضهم ، ولما تكلمت الى احداهن يوما قالت : انا مسلمة الى النخاع واريد ان ادافع عن الفكر الاسلامي ! قلت : ولكنك تكرهين العرب كما اعترفت ، قالت وماذا في ذلك ، قلت ولكن القران عربي ومحمد عربي ، فكيف وازنت الامر !؟
وبعيدا عن انها عقل امراة وليس غريبا عليها التشتت الفكري لضعفهن في السياسة والاجتماع ، الا انها كانها صدمت ،وانا ابتسمت من صدمتها ، قلت : وهل انت كنت جاهلة هذا؟ قالت : لا ادري ربما لم اناقشه في عقلي سابقا،
فالامر اذن اشبه بالتنويم والتخدير والتعايش والألفة مع كره العرب وبغضهم والترفع عن مخالطتهم ،ومحاولة تجاوز انهم من نفس الدين الذي يعتنقه اباؤهم الى اليوم ،
لذا فانك لو وعيت هذه الحقائق ولمست عن قرب وبدراسة هذا الواقع لصرت تفرح بكل فرد واحد تقابله هناك لايكره العرب ، فمابالك والواقع اليوم يشير الى ان هناك مدنا كاملة تحب العرب وتقربهم ، ونسب كبيرة عادت الى الشعور بالدين الواحد والتاريخ المشترك ، رغم ان المدارس مازالت تغذي الافكار العنصرية السيئة القديمة ، فليس من الممكن حذف كل شيء في يوم وليلة ، والغرب يراقب ويتابع ويدفع غولن وغيره والكماليين وغيرهم والعلمانيين واشباههم والماسونيين وامثالهم والكرد الاتراك ومن معهم لترسيخ فكرة بغض العرب والانفصال عن المسلمين التي اسسها مصطفى كمال منذ مائة سنة ، يصل بهم الامر احيانا لتحقيق ذلك ان يخططوا لاغتيال الرئيس التركي او تمويل الانقلاب عليه او استغلال كل حدث للهجوم على توجهات الحزب الحاكم الذي يتهم بمجاملة العرب وايواء نازحيهم و تدريس لغتهم ، ولذا يضطر الذين في السلطة -تكتيكيا احيانا- لمسايرة تلك الموجة العنصرية او غض الطرف عنها الى حين.
فلو لم يكن للحركات الاسلامية- التي نشطت في تركيا في اواخر القرن الماضي والعقدين الاولين من القرن الذي نحن فيه- الا النجاحات الملموسة في تغيير ايديولوجية بعض العرب من قبل الشعب التركي الى تقبل وتعايش ، وتحويل النفور من الاسلام ومجانبته الى ألفته وتقبله وسماع أذانه وخطبه وقرآنه- لكفاهم على الاسلام فضلا سواء اختلفنا معهم في امور اخرى ام اتفقنا.

مقالات اخري للكاتب

أخر الاخبار

كتابات الثقافية

عطر الكتب