14 فبراير، 2024 8:52 م

العراقية سندس شاكر خسرت الدعوى ضد بوش وعصابته

Facebook
Twitter
LinkedIn

محامي أميركي من سان فرنسيسكو أقام دعوى ضد بوش ومخططي الحرب على العراق عام 2003
في بهو قاعة محكمة الاستئناف جيمس أر براوننج  James R Browning في سان فرنسيسكو وفي يوم 12 ديسمبر من العام الماضي 2016 وفي الساعة 11.30 استمعت المحكمة الأستيئناف، القضية المرفوعة من قبل السيدة “سندس صالح”  ضد “جورج دبليو بوش واخرون “، وهي القضية الوحيدة حتى الان التي رفعت في الولايات المتحدة والتي تشكك في شرعية الحرب على العراق. وكانت المدعية سندس شاكر صالح، خريجة معهد الفنون الجميلة، وهي معلمة عراقية، وفنانة وأم لخمسة أطفال، اضطرت الى مغادرة وطنها في أعقاب الغزو، وانتقال البلد لاحقا إلى حرب أهلية. وقد  تحولت حياتهم مباشرة من حياة مستقرة ومزدهرة، الى لاجئة تعيش واهلها في حالة فقر في عمان حيث اضطروا لترك العراق عام 2005.

كان يمثل المدعية سندس شاكر صالح، المحامي اندير كومار البالغ من العمر 37 عاما، والذي بدء حياته العملية في الدفاع عن الشركات التكنولوجيا الناشيئة الصغيرة والتي تبحث لحماية حقوقها في الملكية الفكرية، بالاضافة الى التبرع مع زملاء له بالدفاع عن قضايا انسانية، كومار والدته مكسيكية ووالده مهاجر من الهند، قد يكون كافيا للإحساس انه ينتمى لعالم اخر. كان يوم المحاكمة الاثنين يوما عاصفا. وقال انه كان متوترا، وانه ينتظر منذ فترة طويلة انعقاد هذه الجلسة.

منذ ان تصور فكرة مقاضاة وإقامة دعوى قضائية ضد مخططي الحرب على العراق، كان واعياً عليه أن يكون مهنياً وعقلانياً بقدر الإمكان، وأن لا يبدو انه هاوي، غريب الأطوار، يبحث عن الشهرة. وفي النهاية تم قبول الدعوى، وكان متأثراً وقال “اننا نملك في النّهاية جلسة الأستماع، وهذا بالفعل كان هذا انتصاراً ، ان تعرض القضية امام محكمة الدائرة التاسعة والتي تعتبر درجة واحدة أدنى من المحكمة العليا. في هذه المرة حقيقة، ان القضاة في الولايات المتحدة سَوْف يستمعوا ويناقشوا مسألة ” : ما إذا كان الرئيس ونائب الرئيس وبقية أولئك الذين خططوا للحرب هم مسؤولين عن جريمة احتلال وقتل الآلاف من العراقيين الأبرياء، تندرج بصفة شخصية تحت طائلة المسؤولية القانونية عن نتائجها الكارثية، ان السلطة التنفيذية عادة تكون في مأمن من الدعاوى القضائية المتعلقة بالإجراءات المتخذة أثناء توليها المنصب، وكذلك جميع الموظفين الاتحاديين. ولكن هذه الحماية لا تنطبق إلا عندما يعمل هؤلاء الموظفين ضمن نطاق عملهم. كومار كان يحاجج ويناقش أن بوش وآخرون كانوا يتصرفون خارج تلك الحماية. وعلاوة على ذلك، فإنهم قد ارتكبوا جريمة العدوان – وهذا يشكل انتهاكاً للقانون الدولي.

وأن احتمال ان يتوصل القضاة الثلاثة ولجنة الخبراء أن مخططي الحرب – الرئيس السابق جورج دبليو بوش، نائب الرئيس السابق ريتشارد تشيني، وزير الخارجية السابق كولن باول، وزير الدفاع السابق دونالد رامسفيلد، النائب السابق لوزير الدفاع بول وولفويتز ومستشار الأمن القومي السابق كوندوليزا رايس – أن يكونوا مسؤولين عن انهيار العراق، ومقتل أكثر من 500.000 ألف من المدنيين العراقيين وتهجير أكثر من خمسة ملايين، يبدو من المستبعد جدا.

كان السيد اندير كومار طالبا في كلية الحقوق في جامعة نيويورك، عندما بدأت الحرب، وقد تحول الغزو الى كارثة، لبلد كان مستقراً ولا يشكل خطرا ً لا على أميركا ولا على الأمن العالمي، وليس له علاقة بالمنظمات الإرهابية، وقد قدم أطروحته حول العدوان غير المبرر من منظور القانون الدولي، وتتمحور الاطروحة الجامعية حول سابقة قانونية كانت قد وضعتها محكمة نورنبرغ لمحاكمة المسؤولين السياسيين والعسكريين من النازيين.

المدعون العامون في نورمبرغ جادلوا بنجاح ذلك، على الرغم من أن القيادة النازية الذين ارتكبوا الجرائم في الحرب العالمية الثانية، كانوا ينفذون الاوامر والعمل في نطاق واجباتهم كوكلاء للدولة الألمانية، ومع ذلك كانوا عرضة للمساءلة ومسؤولين عن جرائم العدوان والجرائم ضد الانسانية، قام النازيون بغزو الدول ذات سيادة دون استفزاز، ولا يمكن استخدام القوانين المحلية للدولة الألمانية لحمايتهم.

في كلمته الافتتاحية، قال روبرت جاكسون، ان عدالة المحكمة العليا الأمريكية والمدعي العام: ” تمثل هذه المحاكمة جهد البشرية لتطبيق الانضباط القانوني على رجال الدولة الذين استخدموا ويستخدمون سلطات الدولة لمهاجمة أسس السلام في العالم ولارتكاب اعتداءات ضد حقوق جيرانهم “.

ويبدو أن القضية تراءت  للمحامي كومار، أن يكون لها على الأقل، صدى لدى الرأي العام الاميركي والعالمي، خصوصا بعد أدراك العالم أن صدام حسين ليس لديه أسلحة دمار شامل وأن مخططي الغزو قد توخوا أولا تغيير النظام في العراق قبل فترة طويلة.  فقد بثت الحكومة الاميركية، والبريطانية، وساهم الاعلام عن عمَّد، معلومات متخيلة، ان النظام العراقي يملك مخزون من أسلحة الدمار الشّامل في حين ان كل التقارير السرية كانت تؤكد عدم وجودها. وعلى مدى فترة قليلة من احتلال العراق والبحث الحثيث في كل مكان من قبل وحدات خاصة من الجيش الاميركي، لم يجدوا تلك الأسلحة وقد اعترفوا بذلك بشكل رسمي، وبعد السَنَوات القليلة الماضية بعد الحرب، بدأ الرأي العام العالمي على التلاحم ضد مشروعية الحرب.
وفي عام 2004، بعدئذ أطلق الامين العام للامم المتحدة كوفي عنان على الحرب عبارة انها “غير شرعية”. والبرلمان الهولندي وصفها بأنها خرق للقانون الدولي. وطالبت منظمات حقوق الانسان محاكمة توني بلير والرئيس بوش، وفي عام 2009، كتب بنيامين فيرينتس، أحد ممثلي الادعاء الأمريكي في محكمة نورمبرج الشهيرة، أن “الحجة الجيدة التي قدموها، يمكن أن تجعل ذلك الغزو الأمريكي للعراق، غير شرعي وغير قانوني”.

وكان يلح على المحامي كومار، وهو يمارس التدريب في مكتب خاص للمحامين فى سان فرانسيسكو، سؤال، لماذا لم يقم احد برفع دعوى قضائية ضد الإدارة الاميركية. يمكن للمواطنين الأجانب مقاضاة في الولايات المتحدة عن انتهاكات القانون الدولي.
وبالتالي بين الوضع القانوني للعراقيين من ضحايا الحرب، والسوابق التي ارستها محكمة نورنبرغ، كان يعتقد كومار، وجود إمكانية حقيقية لإقامة دعوى قضائية ضد الحكومة الاميركية، وأشار الى أن عدد من زملائه من المحامين وأساتذته السابقين،
عندما استشارتهم، وأقل ما يقال ان بعضهم كانت مواقفهم  مشجعة بشكل معتدل. رغم ان اي منهم لا يعتقد ان مثل هذه الدعوى ستصل الى اي نتيجة إيجابية !

في غضون ذلك، كان المحامي الشاب كومار، يعتقد ان شخصاً أخر ربما سيعمل على ملاحقة القضية، خاصة هناك مليون وثلاثمائة ألف محامي  في أميركا والآلاف منهم يعمل في مؤسسات غير ربحية، يدافعون عن قضايا انسانية. هناك عدد قليل من الدعاوي القضائية تم رفعها، بحجة أن الحرب لم تحصل إذن أبداً بشكل صحيح من قبل  الكونغرس، وبالتالي هي غير دستورية. وكان هناك نحو عشرة من الدعاوى القضائية ضد رامسفيلد معاقبة له على استخدام التعذيب ضد المعتقلين العراقيين. ولكن لا احد جادل، انهم عندما خططوا ونفذوا الحرب ان السلطة التنفيذية خرقت القانون.

في عام 2013، كان كومار يقسم وقته بين الدفاع عن القضايا التي يحصل منها على أتعابه، وقضايا تابعة للمؤسسات غير ربحية. واحد من زملائه المحاميين تعرف على عائلة أردنية معروفة والتي كانت تعيش في منطقة الخليج، عادت الى وطنها بعد الحرب، وكانت تعمل علىَّ مساعدة اللاجئين العراقيين الذين يعيشون في عمان، وعلى مدى أشهر عديدة، عملوا على تعريف اندير كومار على عدد من اللاجئيين المقيمين في الاْردن، ومن ضمنهم السيدة سندس شاكر صالح، وقد تحدثَ إليها فوجدها امرأة متحمسة وعاطفية وبليغة ورغم مرور 12 سنة من الغزو، اقل ما يقال انها حزينة وغاصبة.

ولدت سندس صالح في بغداد، الكرخ، عام 1966، درست في معهد الفنون الجميلة، وأصبحت فنانة ومدرسة ناجحة، وعائلة صالح تنتمي الى الطائفة الصابيئة المندائيين، الذين يعيشون على ضفاف مياه دجلة والفرات ويتبعون تعاليم يوحنا المعمدان، وهم من اقدم سكان العراق مع المسيحيين الكلدان والاشوريين والسريان. كان عددهم في العراق أكثر من 100.000 ألف نسمة قبل الحرب. واليوم لا يتعدى عددهم 35 ألف نسمة، وتقول السيدة سندس، ” أن مهما كانت جرائم صدام حسين، ولكنه حافظ على بيئة تتعايش فيها العديد من الديانات العراق القديمة سلميا.

بعد الغزو الأميركي، انهار النظام، وحلت الفوضى، والطائفية، واستهدفت الأقليات الاثنية والدينية، وقامت احزاب اسلامية شيعية وسنية بممارسة القتل والتهجير والاستيلاء على ممتلكات الاثنيات والديانات الاخرى بحجة انهم كفار، وتعرضت السيدة سندس للتهديد هي وعائلتها. وقالت إنها تعرضت للاعتداء، وذهبت إلى الشرطة طلبا للمساعدة، لكنهم قالوا إنهم لا يمكن أن يفعلوا شيئا لتقديم الحماية لها ولأولادها. في هذه الضروف الغريبة، انفصلت عن زوجها، وأخذ معه ابنها الأكبر، وأخذت هي بقية أفراد الأسرة إلى الأردن، هربا من الاضطهاد، حيث عاشوا منذ عام 2005 دون جوازات سفر أو جنسية. عملت كخادمة، طباخة وخياطة، وترك ابنها البالغ من العمر 12 عاما المدرسة للعمل والمساهمة في مساعدة الاسرة.

في مارس 2013، طلبت السيدة سوسن من المحامي كومار توجيه اتهامات ضد مخططي غزو العراق، وتعهد ان لا يطالب بأي أتعاب ولن يتقاضى اي مبلغ، عن عمله، أن الامر بالنسبة له موقف. في شهر أيار / مايو، ذهب إلى الأردن لأخذ شهادتها.

قالت له  ” كل الذي بنيته في سنوات، انهار امام عيوني في دقيقة واحدة، عملي، مركزي، والديّ وعائلتي كلها. الأن أنا اريد ان أعيش كأم فقط وفي سلام ودون خوف. أولادي مثل الزهور. في بعض الأحيان لا أستطيع ان اوفر المياه لهم. أحب ان أضم أولادي، ولكني مشغولة جدا في محاولة البقاء على قيد الحياة “.

كومار يقول ” هذه الأوقات عصيبة ، في 11 ديسمبر من العام الماضي 2016، كان لدينا أول جلسة تعقد بعد شهر من الانتخابات الرئاسة الاميركية. وكانت الآثار المترتبة على سوء استخدام السلطة وخيمة على العراق، وعلى أميركا التي خسرت أكثر من ثلاثة ألاف عسكري، وعشرات الآلاف من الجرحى والمعوقين بالاضافة الى أكثر من 3 ترليون دولار “.  الدعوة القضائية للمحامي كومار تتمركز حول قواعد سيادة القانون – القانون الدولي، والقانون الطبيعي – لم يتم التعبير عن الاحترام العميق لإجراءات او حقائق في ما يخص الحرب على العراق، يجادل كومار انها القضايا والحقائق كانت مفتعلة لتبرير الغزو، وماذا لو حاول أي رئيس أميركي أخر تزييف الحقائق لتناسب أغراضه، كان يؤمن أن هناك فرصة من أي وقت مضى لتوضيح ما يمكن وما لا يمكن أن تفعله الولايات المتحدة من حيث غزو الدول ذات السيادة، ويبدو ان الوقت ملائم لتوضيح الامر الان .

بالنسبة لكومار، فإن أفضل نتيجة ممكنة في جلسة اليوم التالي ان يسمع، أن المحكمة أحالت القضية إلى جلسة استماع الأدلة: محاكمة لائقة، اصولية. ثم يجب عليه ان إعداد القضية فعليا-  على مقياس من محكمة نورمبرغ نفسها. ولكن عليه أولا تجاوز قانون ويستفال (Westfall Act)*.

ما هو هذا القانون ؟ الاسم الكامل للقانون ويستفال هو إصلاح مسؤولية الموظفين الاتحاديين، والضرر والتعويض لعام 1988، وهو في جوهر الدعوى القضائية بالنسبة لكومار، والذي يستخدمه المدافعين عن الحكومة ولا يجد القضاة فرصة إلا للرضوخ لهذا القانون الغريب!  انه الجدار التي تختفي خلفه الحكومة، والقانون يحمي الموظفين الفدراليين من التقاضي الناجمة عن الإجراءات داخل نطاق الواجب ( العمل )، مثلا إذا كان عامل البريد يسلم دون قصد قنبلة، انه أو انها لا يمكن مقاضاتهم في محكمة مدنية، لانهم كانوا يعملون ضمن حدود عملهم.

وقد تم تطبيق هذا القانون في كُلِِّ قضيّة عندما رفع المشتكون المدعون دعاوي ضد رامسفيلد لدوره في استخدام التعذيب ضد السجناء العراقيين وكانت من أكبر الفضائح التي أسقطت كل ما تدعيه الحكومة الاميركية من تطبيق العدالة ومعاملة السجين الأسير بإنسانية. بالرغم من ان المحاكم وافقت إلى الاستعاضة عن الولايات المتحدة باعتبارها المتهم المدعي عليها، وبدلاً منها المتهم هو رامسفيلد، والمنطق الضمني هو أن رامسفيلد، كوزير الدفاع، كلف بمهمة الدفاع عن الوطن وإذا لزم الأمر، التخطيط وتنفيذ الحروب وما رافقها !

ولكن كومار يرد على ذلك ” هذا هو بالضبط ما عالجته محكمة نورمبرغ ” قدّم النازيون نفس الحجة، ودافعوا عن أنفسهم بأنهم مجرد موظفون : والتي كانت تتلخص، ان جنرالاتهم كلفوهم شن الحرب، وانهم كانوا ينفذون الأوامر، هذه هي حجج التي كان على محكمة نورنبرغ تفكيكها”.
منذ الإيداع الأولي للقضية، في عام 2013، تحت عنوان سوسن شاكر ضد بوش ومخططي الحرب على العراق، في المحاكم، كانت القضية، قضية تجرح المشاعر في المحاكم الأدنى، في ما بدا لكومار وكأنه عداء بيروقراطي. ولكن الوقت الذي أعقب ذلك  أعطى له الفرصة لتعزيز ودعم  المختصر المقتضب الذي قدمه للمحكمة تم رفع القضية الى محكمة أهم وأعلى، وفي الوقت الذي رفع فيه استئنافه إلى الدائرة التاسعة، تلقى دعما غير متوقع من ثمانية محامين بارزين، كل منهم اضاف ملخصاته الخاصة الى ملف القضية، ومن أبرزهم رامزي كلارك، عضو الحزب الديمقراطي ، ونائب عام الولايات المتحدة في عهد حكومة الرئيس ليندون جونسون وهو ناشط سياسي وحقوقي. ومارجوري كوهن، الرئيس السابق لنقابة المحامين الوطنية، ثم سمع من المؤسسة التي أنشأها بنيامين فيرينتز، البالغ من العمر 97 عاما، أن المدعي العام لمحكمة نورمبرغ  كتب الى: مؤسسة بلانيثود Planethood وقدم مذكرة قصيرة ايضا حول القضية.

“هذه المذكرات القضائية كانت دعم كبير، “يمكن للمحكمة أن ترى وجود جيش صغير وراء ذلك القضيّة. لم يك هؤلاء فقط بعض الرجال المجانيين في سان فرانسيسكو”. بل شخصيات حقوقية لها سمعتها لدى الرأي العام وتاريخها الكبير في المحاكم الاميركية.

وحل يوم المحاكمة، الاثنين 12 ديسمبر كان يوما بارد وعاصفاً، تقع قاعة المحكمة التي ستعقد فيها جلسة الاستماع في شارع (البعثة )  والشارع السابع، حضر مع كومار الخبير ( كورتيس دوبلر )  Curtis Doebbler، أستاذ القانون من مدرسة جنيف للدبلوماسية والعلاقات الدولية، كان قد وصل في الليلة السابقة، وهو ملتحي وهاديء. ويلبس نظارة طبية، يبدو عليه انه حازم وخبير في مجال اختصاصه، يعتزم كومار أن يعطيه خمس دقائق من 15 دقيقة المخصصة له للتركيز على القضية من وجهة نظر القانون الدولي.

دخلوا قاعة المحكمة الصغيرة، تحتوي على حوالي 30 مقعداً للمتفرجين والمشاركين. وعلى المنصة ثلاثة قضاة وامام كل واحد منهم مايكروفون. من المهم أن نوضح ما تعنيه جلسة الاستماع أمام الدائرة التاسعة، من ناحية، انها محكمة قوية للغاية، التي يحظى قضاتها بالاحترام والصرامة في اختيار القضايا التي يسمعونها. ومن ناحية اخرى انها تحول لها بعض القضايا، لدراستها دون ان تستمع للمحامين والمدعيين، وبدلا من ذلك، يمكنهم تأييد حكم المحكمة الأدنى أو يمكنهم إعادة النظر في القضية أي (إرسالها إلى محكمة أدنى لمحاكمة حقيقية أخرى ). هذا هو ما يسعى إليه كومار : الحق في جلسة استماع فعلية بشأن مشروعية الحرب، وهذا ما حصل عليه، الاستماع امام هذه المحكمة.

مما هو معروف أن محكمة الدائرة التاسعة، هي أنها تخصيص ما بين 10 و 15 دقيقة لكل جانب في كل قضية. ويعطى المدعي 10 دقائق لشرح السبب في حكم المحكمة الأدنى كان خاطئا، ويمنح المدعى عليه 10 دقائق لشرح لماذا كان الحكم السابق عادلًا. في بعض الحالات، ظاهريا عندما تكون احدى القضايا ذات أهمية خاصة، في هذه الحالة تعطى 15 دقيقة.

أعطيت لمدعي قضية السيدة صالح – كومار 15 دقيقة، إنها على الأقل إشارة سريعة للأهمية النسبية للقضية المطروحة : مسألة، ما إذا كانت للولايات المتحدة او لا ، يمكن ان تغزو الدول ذات سيادة بحجج واهية – انها سابقة ولها آثارها.

المحكمة تتكون من ثلاثة قضاة، القاضي على اليسار  أندرو هورويتز  Andrew Hurwitz القاضية سوزان غرابر Susan Graber في الوسط، ولها تأثير شديد، وشخصية قوية، وعلى اليمين القاضي الاميركي من أصول أفريقية، ريتشارد بولوير Richard Boulware وهو الأصغر سناً.

افتتحت القاضية سوزان غرابر قائلة :

“كما قرأت القضيّة، يمكن ان تكون إجراءات الموظفين الاتحاديين غير مرغوب فيها وضارة جداً وبالتالي تخضع لقانون ويستفال، ولا تزال مشمولة بقانون ويستفال. هل لا توافق على ذلك كمبدأ عام ؟ ”

اجاب كومار : “أنا لا أختلف مع ذلك كمبدأ عام”.

أجابت القاضية حسناً  ” إذن ما هو المختلف عن هذا الشيء بالتحديد؟”.

هنا، بطبيعة الحال، هو الموضع الذي كان كومار يعتزم أن يركز عليه :

– “ما يجعل هذا الأمر مختلفا هو أنه كان حربا. حرب تستند إلى ادعاءات كاذبة وحقائق مصنعة. حرب تسببت في مقتل نصف مليون شخص على الأقل . ولكل شخص من القتلى عائلة، وأمة دُمرت. ” ولكن في خضم هذه اللحظة، أعصابه كانت ملتبسة ومتوترة، ودماغه رُبط بعقدة قانونية يجيب ” اعتقد نحن بحاجة للوصول الى الأعشاب الضارة في القانون، وإلقاء نظرة على قضايا قانون التي تؤدي الى اخطاء كبيرة وجرائم، حيث في تلك …”

قاطعه القاضي هورويتز، ” كل منهم يحاول الاعتماد على نصوص قانون ويستفال “، فإن القضاة الثلاثة يقطعون بعضهم بعضا، وكلهم يدورون حول ما يقدمه القانون من حماية للموظف، مع تفهمهم ان القانون قد يحمي من يرتكب اخطاء.

وبسرعة كومار يقاطعهم  ” ولكن في المقام الأول هو عن ما يتعلق بقانون ويستفال، وما إذا كان أو لم يكن بوش، تشيني ورامسفيلد وولفويتز يعملون ضمن نطاق عملهم.”.

ويحاول القاضي هورويتز وضع حد للنقاش ويسأل:

” في نقطة واحدة ، أنت معها او ضدها ؟ إذا كان اي من المدعي عليهم  أصيب فإنهم سيحصلون على تعويضات العمال. ومن وجهة نظره أن الرئيس وحكومته كانوا موظفين حكوميين، ومطلعين على كل المزايا والحصانات للعمل، هذا النقاش هو نموذج لمعظم نهار هذا اليوم، حيث الافتراضات هي للترفيه، وأغلبها في روح من تسلية ألعاب التفكير، مثل الكلمات المتقاطعة او لعبة الشطرنج”.

بعد تسع دقائق، ترك كومار، الدقائق الخمس الباقية للخبير والأستاذ في القانون الدولي، كورتيس دوبلر، يبدأ دوبلر حديثة من مدخل مختلف تماما، ولأول مرة يتم ذكر العواقب المترتبة على الحرب قال : ” هذه ليست جريمة معتادة، هذا هو الفعل الذي حطم حياة الملايين من الناس. نحن لا نتحدث عما إذا كان أو لا مسؤول حكومي يقوم بعمل، قد يكون ضمن شروط عمله، داخل مكتبه يسبب بعض الضرر ….

وهنا يتدخل القاضي هورويتز : “اسمح  لي أن أقاطعك “أوقفك” لمدة ثانية، اريد ان افهم ما هو الاختلاف في الحجة التي تُقدمها، يقول زميلك لا ينبغي لنا تطبيق قانون ويستفال، لانهم لم يتصرفوا في نطاق وظيفتهم، دعونا نفترض انها كانت لحظة. هل أنت تناقش أنه حتى لو كانوا، قانون ويستفال لا ينطبق ؟

مرت خمس دقائق المخصصة لدوبلر، وجاء دور الحكومة، محاميهم شاب في حوالي 30 عاما، نحيف ووضيع. انه لايبدو اقل عصبية، كما أنه يدحض حجج كومار، تقريبا بشكل كامل على أساس قانون ويستفال، أعطي له 15 دقيقة للدفاع عن الحكومة ضد اتهامات بأنها حرب غير عادلة ظالمة، وغير شرعية ومبنية على ادلة باطلة، انه استخدم فقط 11 دقيقة من وقته، لانه متأكد من موقفه، ومجرد استخدام الوصفة السحرية قانون ويستفال، تغلق كل الأبواب.

في اليوم التالي، اخيراً، الدائرة التاسعة حكمت في قضية سندس صالح ضد بوش، وهنا فعلوا العكس مما فعلته محكمة نورنبرغ. وأكدوا الحصانة الكاملة للسلطة التنفيذية، لا يهم حجم الجريمة. يحتوي رأيهم هذه الجملة، التي تقشعر لها الأبدان : “عندما تم إقرار قانون ويستفال، كان واضحا أن هذه الحصانة تتستر على مواقف، وشملت أعمالا شنيعة “.

وجهة النظر، والاراء التي ساقتها المحكمة، كانت في 25 صفحة طويلة، وتناولت العديد من النقاط التي وردت في شكوى كومار، ولكن لا شيء في الجوهر، ولكن مرة بعد اخرى، تذعن المحكمة لقانون ويستفال، وتتجاهل وترفض اي قانون اخر يحل محل ذلك – حتى المعاهدات المتعددة التي تحظر العدوان، بما في ذلك ميثاق الامم المتحدة – وجهة نظر واعتقاد تربط نفسها في عقدة لتبرير الاحترام لها، لكنها لم تقدم مثالا واحدا على جريمة قد لا تكون مشمولة بهذا القانون الغريب : ” إذا تصرف مسؤول اتحادي بدوافع شخصية، انه استخدم نفوذ منصبه لصالح رجل اعمال قريب له ( زوج او زوجة أو قريب او صديق مثلا )، متجاهلا ً الى ما ينجم عن ذلك من ضرر الى الصالح العام “.

بعد يوم من صدور الحكم، المحامي كومار لم يك لديه الطاقة لقراءته، كان يعلم انه ليس في صالحه، وأن القضية تحت فعالية قانون ويستفال كانت قضية ميتة في بلد يدعي انه بلد العدالة والحريّة والديمقراطية. السيدة سندس شاكر تركت الاْردن وهي تعيش في بلد ثالث كطالبة لجوء، والتعامل مع  مشاكلها الصحية، الإشراف على تربية اولادها، وهي منهكة ومصابة بخيبة الأمل، وليس لديها وقت ومساحة أكبر في حياتها لدعاوي قضائية أخرى.

كومار متعب، ان القضية استغرقت أربعة سنوات، بين المحاكم الابتدائية حتى الوصول الى الدائرة التاسعة، ويقول ” ان المحكمة استمعت للحقائق التي قدمناها، الشيء الجيد هو أخذوا الأمر على محمل الجد. وأنهم حقيقة تناولوا كل حجة بحسب النص الذي تحت أيديهم !

يقول في حسرة وهو يعدد القضايا التي لم تعالجها المحكمة. “لديهم القدرة على النظر في القانون الدولي والاعتراف بالعدوان كقاعدة من القواعد الآمرة، وبعبارة أخرى، ان الدائرة التاسعة كان عليها ان تعترف ان صانعي الحرب غير قانونية، باسم المثل العليا، الجريمة، هي جريمة مثلما كان القضاة قد وجدوا في محاكمة نورنبرغ، الموضوع يخضع الى مستوى مختلف من الفحص والتدقيق، ولكنهم لم يفعلوا ذلك، ولكنهم أكدوا خارج نطاق المحكمة  “يمكننا أن نفعل ذلك، ولكننا لسنا بصددها اليوم، ووفقا لهذا الحكم، ان البيت الأبيض، والكونجرس، يُمكنهم ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية باسم الأمن القومي، ويكونوا محميين ” .

حقيقة أن إدارة بوش نفذت الحرب دون أدنى عواقب للأشخاص ، وهذا يؤدي الى تشجيع أي رئيس، للقيام بالعدوان في أي مكان آخر في العالم. ما دام قانون ويستفال ساري المفعول، وقد يستخدموا العراق سابقة على ارتكاب جرائم كبرى في أماكن اخرى، دون احترام للمعاهدات والمواثيق الدولية التي وضعت لتوطيد وأنشاء أليات بحث إذا ما كانت دولة ما ترغب في ممارسة العنف. لديك للقيام بذلك بشكل قانوني الحصول على قرار من الامم المتحدة والعمل مع شركاء. وبغير ذلك يصبح العالم مكانا أقل امنا من ذلك بكثير … قانون الغابة هو السائد.

اقتباسات

وقد أستخدمت وزارة العدل في الولايات المتحدة هذا القانون في قضية صالح ضد بوش، وتجنبت المحكمة الحاجة إلى الحكم على ما إذا كانت حرب العراق حربا عدوانية مع سبق الإصرار، مدعية أن المحكمة ليس لها “اختصاص موضوعي” منذ جورج بوش  . “موظفون حكوميون [يتصرفون] في نطاق عملهم” . تم رفض طلب عام 2016 في شباط / فبراير 2017 بنسبة 3-0، مع قول القاضية سوزان غرابر إن “ما حدث في أواخر التسعينيات لم يكن مخطط له، بل الدعوة فقط”. أصل القانون يعود الى عام 1988، اقتصر على الحصانة المطلقة للمسؤول الاتحادي من ادعاءات الضرر،” رأى الكونجرس الأمريكي هذا الأمر بمثابة تآكل في حصانة التعذيب العام الذي كان متوفرا في السابق أمام الموظفين الاتحاديين، ولذلك تم نقل قانون ويستفال إلى القانون في عام 1988 لتجنب ما كان متوقعا أن يكون أزمة في تعريض العمال الاتحاديين للدعاوى القضائية “.

وقد أصبحت هذه القضية صالح ضد بوش، سابقة قضائية، دخلت الى القضاء الاميركي، وتسمى بهذا العنوان !

مقالات اخري للكاتب

أخر الاخبار

كتابات الثقافية

عطر الكتب