20 مايو، 2024 2:11 م
Search
Close this search box.

الديمقراطية التوافقية العراق انموذجا – 2 / التوافقية في لبنان ودول اخرى

Facebook
Twitter
LinkedIn

كنا قد بينا في الجزء الاول من هذه السلسلة المنتقاة من كتابي (الديمقراطية التوافقية العراق انموذجا) الصادر مؤخرا في بغداد مفهوم ونشوء التوافقية ونستمر بنشر العناوين الرئيسية في الكتاب بما ينفع القارىء
 
دول توافقية
  
ونذكر في ما يلي بعض الدول التي أتخذت التوافقية منهاجاً لها في فترات مختلفة من تاريخها السياسي علما انها تتباين فيما بينها بمدى رسوخ الديمقراطية التوافقية واستمرارها فيها وطبيعة التعددية في مجتمعاتها :
1. النمسا[1]:حيث تسود فيها الثقافتان القومية والليبرالية وينقسم فيها المجتمع من جهة اخرى الى معسكرين كاثوليكي واشتراكي.
2. هولندا[2]:والتعددية فيها دينية وسياسية وبالنسب 3% كاثوليك, 32% اشتراكيين 21% بروتستانت, 13% ليبراليين.
3. بلجيكا[3]: يتكون الشعب البلجيكي من الفلامنغ والوالون والبروكسلو والتعددية فيها ثقافية لغوية اذ تسود الثقافات الكاثوليكية والاشتراكية والليبرالية ويتحدث الغالبية وهم الفلامنغ اللغة الهولندية وتبلغ نسبتهم (55%) الا انهم اقل نفوذا اقتصاديا فيما يكون الناطقون بالفرنسية اقل عدداً (45%) ولكنهم اقوى نفوذاً اقتصادياً وبين المكونين خشية متبادلة. والحكومة فيها صارت هيئة تكافؤية بين الناطقين بالفرنسية والناطقين بالهولندية (مع استثناء رئيس الوزراء من ذلك) وصارت الاقلية الفرنسية تمثل فيها تمثيلاً مبالغاً فيه وذلك بفضل الاحكام الدستورية التي ادخلت سنة 1970.
 4. سويسرا[4]: التعددية في هذا البلد سياسية ودينية وطبقية ولغوية 
وقد تشكلت الهيئة التنفيذية السباعية الاعضاء والمسماة بالمجلس الفيدرالي من اعضاء من الاحزاب الاربعة بنسبة تتلائم مع قواها الانتخابية، عضوين من الراديكاليين, عضوين من الاشتراكيين, عضوين من الكاثوليك, عضو واحد من حزب الفلاحين. كما ان اعضاء المجلس السبعة يمثلون مختلف اللغات، حيث تنتشر بشكل رئيسي اللغتان الفرنسية والالمانية، ومختلف الاقاليم ويتناوبون على رئاسة الدولة.
5. ماليزيا[5]:انهارت فيها التوافقية في عام (1969) بعد عدة سنوات من التطبيق ويتكون المجتمع فيها من(53%) ماليين, 35% صينيين, 11% هنود وباكستانيين وتختلف هذه الفئات فيما بينها في اللغة والدين والعرق والثقافة.
6. المغرب[6]: حيث مرت بتجربة سميت في الادبيات السياسية المغربية بـ (تجربة التناوب التوافقي) مابين عامي 1998-2002.
7. قبرص[7]: اليونانيون فيها يمثلون78% والاتراك18% والاقليات الاخرى4% والانشطارات فيها لغوية,ثقافية,عرقية ودينية وطبقت فيها التوافقية بين 1960-1963.
8. كينيا: اعتمدت الديمقراطية التوافقية بعد اشتعال اعمال عنف على اسس قبلية اعقبت الانتخابات الرئاسية الاخيرة التي جرت بتاريخ (27-12-2007) وادت الى مقتل اكثر من ألف شخص وتشريد ما يقارب (250 ) ألفا آخرين اذ كان المتنافسون على الرئاسة من قبائل وعرقيات مختلفة. وحلت هذه المشكلة بمساعدة الامم المتحدة حيث تم استحداث منصب رئيس الوزراء ومنح للفائز الثاني في الانتخابات الرئاسية الذي ينتمي الى قبيلة اقل نفوذا من قبيلة رئيس البلاد الفائز الاول.
 9.السودان: التعددية في السودان دينية لغوية عرقية ومناطقية اذ يتكون الشعب السوداني من مسلمين ومسيحيين عرب وافارقة يسكنون مناطق مختلطة ومنفصلة ويتحدثون بلغات مختلفة وصارت التعددية سبباً رئيسياً لصراعات دموية استمرت سنوات عديدة بين المسلمين (سكان الوسط والشمال) الذين يسيطرون على الحكومة المركزية والمسيحيين سكان الجنوب حتى تم التوصل الى حل هذه المشكلة بالاتفاق الموقع بين الحكومة المركزية والحركة الشعبية لتحرير السودان بزعامة جون قرنق الممثلة لسكان الجنوب في كانون الثاني/ يناير عام 2005 الذي كان من ثمراته اعطاء سكان الجنوب المسيحيين حكماً ذاتياً واشراكهم في الحكومة بمنح الحركة ممثلة برئيسها جون قرنق منصب نائب رئيس الجمهورية والاتفاق على إجراء استفتاء يختار الجنوبيون بموجبه بين الوحدة مع الشمال أو الانفصال وتكوين دولة مستقلة.
 
الديمقراطية التوافقية في لبنان
 
تعد لبنان واحدة من ابرز نماذج الديمقراطية التوافقية في العالم خارج قارة اوربا لاعتبارات عديدة فهي البلد الوحيد الذي يطبق هذا النظام السياسي في الوطن العربي والشرق الاوسط واستمر بذلك لعدة عقود من دون ان ينهار على الرغم مما تتخلله من حروب ونزاعات وتعطيل للحكومة لفترات طويلة ولمرات عديدة وكذلك فان المجتمع اللبناني متعدد بشكل واضح فهو يتكون وبشكل رئيسي من مسيحيين ومسلمين والمسيحيون مارونيون وكاثوليك وارثوذكس والمسلمون سنة وشيعة ودروز وعلويون. واللاعب الاساسي في الساحة السياسية اللبنانية هو الانتماء للمكون ومدى التاثير المتبادل بين الرموز المرتبطة بالعوائل العريقة سياسياً ومنها عوائل الحريري والجميل وجنبلاط.
وخارطة لبنان السياسية والحكومية مبنية على اتفاقات عديدة بين هذه المكونات منها قانون الانتخابات لسنة 1960 واتفاق الطائف[8] واتفاق الدوحة[9] وقانون الانتخابات اللبناني الذي أقره البرلمان في 29 سبتمبر (ايلول) 2008، وأجريت على أساسه الانتخابات التشريعية في السابع من يونيو (حزيران) 2009. حيث صار من الثوابت السياسية ان يكون رئيس الجمهورية مسيحياً مارونياً ورئيس الوزراء مسلماً سنياً ورئيس مجلس النواب مسلماً شيعياً وخارطته البرلمانية تستند الى ارقام ثابتة تمثل حجم المكونات سكانياً فالبرلمان اللبناني يتألف من 128 نائباً مناصفة بين المسيحيين والمسلمين حيث تحصل كل طائفة على 64 مقعدا وباعداد ثابتة لكل مكون اذ توزع مقاعد المسيحيين على المارونيين/34 مقعداً, الروم الارثوذكس/14 مقعداً, الروم الكاثوليك/8 مقاعد، الارمن الارثوذكس/5 مقاعدً، الانجيليون/1 مقعدا, الارمن الكاثوليك /1 مقعدا, و الاقليات المسيحية الاخرى/1 مقعدًا. بينما توزع المقاعد المخصصة للمسلمين على السنة/27 مقعدا والشيعة/27 مقعدا, والدروز/8 مقاعد, والعلويين/2 مقعداً، وهذا يبين ان التعددية البرلمانية في لبنان تعتمد على التنوع الديني والمذهبي.
    وقد اظهرت نتائج الانتخابات الاخيرة التي جرت في (حزيران /يونيو عام 2009) ان القوى الحاكمة واحزابها (الموالاة) المتحالفة تحت عنوان (14اذار) والتي تتشكل من أربعة كتل أساسية هي كتلة تيار المستقبل برئاسة النائب سعد الحريري (المسلمون السنة) وكتلة اللقاء الوطني الديمقراطي بزعامة رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنلاط (المسلمون الدروز) وتنظيمات اخرى مسيحية اهمها كتلة القوات اللبنانية برئاسة سمير جعجع وحزب الكتائب اللبنانية بقيادة رئيس الجمهورية السابق أمين الجميل، قد حصلت على (71) مقعداً في البرلمان بينما حصلت قوى المعارضة المتحالفة تحت عنوان (8 آذار)، المتشكلة اساسا من التنظيمين الشيعيين حزب الله بزعامة السيد حسن نصر الله وحركة أمل بزعامة رئيس البرلمان الحالي نبيه بري إضافة إلى كتلة التغيير والإصلاح برئاسة زعيم التيار الوطني الحر العماد ميشال عون وكتل وشخصيات برلمانية اخرى متنوعة التوجهات، على (57) مقعداً وهو اكثر من ثلث مقاعد البرلمان مايؤهلها ان تعرقل او تمنع الاكثرية البرلمانية من اصدار اي مشروع او قانون دون الحصول على موافقتها بسبب نظام التصويت المتبع والذي يفرض الحصول على موافقة ثلثي الاصوات في البرلمان. وبهذا فان المعارضة تمتلك (الثلث الضامن) حسب تسميتها وهو (الثلث المعطل) حسب تسمية الاكثرية النيابية.
وتمتاز العملية السياسية في لبنان بتاثرها كثيراً والى حد الخضوع احياناً بتدخلات القوى الخارجية العربية وغير العربية التي تستغل تعددية المجتمع اللبناني وتناحر مكوناته واختلافاتها وخلافاتها السياسية والمذهبية لفرض اجنداتها ولاشك في ان التدخل الاجنبي ماكان يحصل لو ان القوى اللبنانية استطاعت ان تتفق مع بعضها بارادات وقرارات وطنية مستقلة.  ويبدو واضحا ان مصر والسعودية تتزعمان الدور العربي (السني) ضمن خارطة التدخل الخارجي وتقدمان كل اشكال الدعم المطلوب لقوى الحكومة (14 اذار) التي يشكل فيها السنة الثقل الاكبر اي ان جزءا من المحيط العربي للبنان يمثل البعد الستراتيجي السياسي والمذهبي للسنة فيه بينما تمثل سوريا البعد الستراتيجي السياسي للمعارضة اللبنانية وتمثل ايران البعد الستراتيجي السياسي والمذهبي لها حيث يمثل الشيعة الثقل الاكبر فيها. وهذا الدعم الاقليمي للمكونات والقوى اللبنانية جعل لبنان ساحة لصراع الدول الداعمة ووفر المبررات لاطراف النزاع فيه ان تتبادل الاتهامات بالارتماء في احضان الجهات الداعمة وتنفيذ اجنداتها. وبشكل عام فان التوافقية في لبنان وجه سلبي للديمقراطية ولم تستطع تطوير العملية السياسية فيه مما ادى الى ترسيخ الخلافات ونشوء الصراعات الحزبية والسياسية بين مكوناته المختلفة في مراحل متعددة. وحيث ان اللبنانيين لم يستطيعوا احتواء خلافاتهم وجعلها داخلية الطابع والمعالجة فان اتفاقاتهم الرئيسية قد حملت طابعاً خارجياً كاتفاقي الطائف والدوحة وان تشكيل الحكومة كان لايتم الا بعد جولات مكوكية للقادة اللبنانيين في الدول الاقليمية الداعمة والمتدخلة في الشان اللبناني. وكذلك ادت التوافقية الى تعطيل تشكيل الحكومة كما حصل بعد الانتخابات الاخيرة فان رئيس الوزراء المكلف سعد الحريري الذي هو رئيس الاغلبية البرلمانية لم يستطع خلق التوافق بين اطراف الصراع السياسي اللبناني لتشكيل الحكومة الا بعد سعي متواصل استغرق عدة اشهر بعد الانتخابات.

————————

[1] الديمقراطية التوافقية/ارنت ليبهارت ص97
[2] الديمقراطية التوافقية/ارنت ليبهارت ص98
[3] الديمقراطية التوافقية/ص98
[4] الديمقراطية التوافقية/ص56-57
[5] الديمقراطية التوافقية/ص229
[6] محمد المالكي, مدير مركز الدراسات الدستورية والسياسية في كلية الحقوق جامعة القاضي عياض في مراكش/جريدة الجريدة الصادرة بتاريخ 8/2/2009
[7] الديمقراطية التوافقية/ص240
[8] عقد هذا الاتفاق بين الاطراف اللبنانية برعاية المملكة العربية السعودية في 30  ايلول (سبتمبر(   من عام 1989 في مدينة الطائف وأنهى هذا الاتفاق الحرب الأهلية اللبنانية التي دامت خمسة عشر عاما للمدة (1975- 1990)،
[9] هذا الاتفاق تم التوصل اليه برعاية قطرية في مدينة الدوحة في 21 مايو(مايس) 2008

مقالات اخري للكاتب

أخر الاخبار

كتابات الثقافية

عطر الكتب