20 مايو، 2024 11:04 م
Search
Close this search box.

الأخضر الأبراهيمي وحلم الحيادية في الطرح الإعلامي

Facebook
Twitter
LinkedIn

في إحدى الأيام الساخنة سياسيا ومناخيا من شهر نيسان (أبريل)  عام  2004 حيث كان الإحتلال الأمريكي جاثما على مقدرات العراق،  ووسط ترقب مايحل به بعد انتهاء فترة مجلس الحكم في حزيران (يونيو) 2004، وجهت إلى رئاسة جامعة بغداد دعوة لحضور ثلاث شخصيات لمقابلة  الأخضر الإبراهيمي مبعوث الأمم المتحدة لسماع رأيه حول آلية نقل  السلطة لحكومة عراقية مؤقتة. وتم تسمية  الشخصيات الثلاث  لتلبية الدعوة من رئاسة الجامعة وهم الأستاذ الدكتور موسى الموسوي رئيس الجامعة و”كاتب المقالة” كونه كان يشغل منصب مساعد رئيس الجامعة والأستاذ الدكتور رياض عزيز عميد كلية العلوم السياسية في حينه.
 
وكلنا يعرف أن الأخضر الإبراهيمي  المولود عام 1934 في مدينة عزيزة جنوب الجزائر هو سياسي ودبلوماسي جزائري بدأ رحلته الدبلوماسية بتمثيل جبهة التحرير الوطني في جاكارتا للفترة (1954-1961) أي أبان الثورة الجزائرية، عمل مسؤولا في الجامعة العربية (1984-1991)، ومبعوث الجامعة العربية إلى لبنان (1989-1992)، وزير خارجية الجزائر(1991-1993)، ومبعوث الأمم المتحدة لعدة دول أفريقية وآسيوية ومنها العراق  حيث قام بزيارته الأولى في شباط(فبراير) 2004 للبحث في العملية الأنتقالية السياسية وإمكانية إجراء الانتخابات.
  والثانية في نيسان(ابريل)  عام 2004 ، إذ أن مهمته والوفد المرافق له كانت بالتعاون مع الأطراف الموجودة في العراق لمساعدتها في عملية انتقال السلطة  من مجلس الحكم العراقي (12/7/2003-1/6/2004)  الى حكومة مؤقتة  في  حزيران (يونيو)  وتنظيم انتخابات عامة.
 
ولتلبية الدعوة توجهنا في عصر يوم من أواخر شهر نيسان (ابريل) لمقابلة  الأخضر الإبراهيمي الذي بدا  إنه رجل نحيل الجسم طويل القامة ,خفيض الصوت هادئ الطبع , مستمع جيد لأحاديث الآخرين، وعند الالتقاء به أوضح أهمية المرحلة القادمة للعراقيين وإدراك الهدف الأساسي الذي جاء من أجله إلى العراق لاختيار حكومة تكون ممثلة للشعب العراقي حتى اجراء انتخابات، وأن تكون من التكنوقراط وأن تدفع العراق من سياسات يمكن أن تذكي نيران نزاعات داخلية. وإنه يود تدوين مقترحات  وحث مختلف الأطراف بدعم هذا التوجه، لذا فقد قابل شرائح  مختلفة من المجتمع العراقي وكان يود أن يستمع لمقترحاتنا.
  وقد أوضح وفدنا له أهمية الدور الذي تقوم به الأمم المتحدة بمساعدة العراقيين على تولي مسؤوليتهم بإدارة الدولة العراقية بعد أن عانى الشعب العراقي من الإحتلال، وان جامعة بغداد مستعدة لتوظيف كل امكانياتها لخدمة المشروع الجديد خصوصا وأن لديها الإمكانيات إذ تشكل حوالي 50% من ثقل وزارة التعليم العالي العراقية وتضم تدريسيين لديهم كفاءات علمية في كافة الأختصاصات.
 وقد أعرب عن انسجامه مع توجهات رئاسة الجامعة وسماعه الأفكار الوطنية التي اطلع عليها من خلال مقابلته للشخصيات العلمية العراقية خلال زياراته للعراق، حيث استمع إلى آراء الآلاف من العراقيين، وأكثر من مائة جماعة ومنظمة عراقية. وفي نهاية الاجتماع أكد على ضرورة إقامة حكومة مؤقتة  تشمل نسبة كبيرة من التكنوقراط يجري اختيارهم ,وينبغي على الجامعات العراقية حث منتسبيها للمساهمة بدعم تلك الحكومة العراقية.
 وقد أثمرت جهوده ووفد الأمم المتحدة وإرادة العراقيين  تشكيل حكومة عراقية مؤقتة برئاسة الدكتور أياد علاوي للفترة (28/6/2004 لغاية 2/5/2005) وأقيمت انتخابات نيابية في كانون الثاني (يناير) عام 2005 لتنبثق عنها حكومة عراقية انتقالية برئاسة الدكتور أبراهيم الجعفري للفترة(3/5/2005 لغاية 19/5/2006).
 
وحين تطرقنا في الاجتماع الذي استغرق اكثر من ساعتين الى دور وسائل الإعلام في توجيه الرأي العام و تشويه الصورة الفعلية للشارع العراقي في تلك المرحلة الحرجة  سألته:
 هل تضمن ياحضرة السفير موقفا ايجابيا  لتلك القنوات الفضائية من الحكومة العراقية المؤقته الجديدة؟
فقال مندهشا : ماذا تقصد؟
 قلت له: إن الإعلام العراقي بالوقت الحاضر ضعيف وهو يتمثل بشبكة الإعلام العراقية وكانت في مرحلة التأسيس  وإن معظم  العراقيين يشاهدون هاتين القناتين  ويتابعون الأخبار من خلالهما , لذلك فان ماتقوله تلك القنوات ومن بينها قناتان عربيتان  هو السائد بينهم  وحتى انهما تؤثران على رأي بقية الشعوب العربية.
فطلب مني توضيحا فقلت :يا حضرة السفير لو جلبت الأمم المتحدة حكومة وطنية من الكواكب الأخرى فسوف لن ترضى عنهما تلكم القناتان  وستلقبهما بأنها حكومة عميلة جاء بها الإحتلال حتى قبل أن يطلعوا على ممارساتها، اما إذا رضيتا عنها فستكون حكومة وطنية وديمقراطية.
 فعلق قائلا : هذه أمور ستحل مع الوقت
 
وكانت هذه القضية تشغلنا , في تلك الأيام , إذ بغياب تام للرؤية والمقدرة الإعلامية خاض العراق مرحلة التغييرات بعد عام 2003 من دون غطاء إعلامي لبناء نظام جديد قائم على الحرية والحقوق المتبادلة، وهذا انعكس على المواطن وطبيعة تفاعلاته وانفعالاته مع هذه المتغيرات والتحولات حيث كان مفتاح هذه الأنفعالات بيد مؤسسات إعلامية غير عراقية ، ولعلنا نتذكر في سنوات الانبهار بالبث الفضائي التي أعقبت سقوط الدكتاتورية عام 2003 كيف كانت فضائيات بعينها تعبث بمشاعر الناس البسطاء وتثير الفتن الطائفية التي كان ثمنها دماء عراقية طاهرة، كما عملت على تشويه الوضع الجديد للعراق. وينطبق عليهما قول الله سبحانه وتعالى:
بسم الله الرحمن الرحيم
  الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ ۚ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ ۗ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (التوبة67).
 
 حيث شهرتا القناتان بالحكومات العراقية المؤقتة والانتقالية واتهمتهما بأنهما عميلتان للمحتل الأمريكي أو التدخل الإيراني،  كما فعلت نفس الشئ مع  الحكومة العراقية التي شكلت بعد انتخابات برلمانية ثانية عام 2006 وبإجراءاتها بإعدام رئيس النظام العراقي السابق التي استغرقت فترة محاكمته العلنية أكثر من عام، بينما سكتا عن اهانة زعيم دولة عربية تم اهانته أمام الناس وإعدامه بعد إلقاء القبض عليه بالرغم من تيقننا بأنه دكتاتور آخر، وتهمل مظاهرات مليونية بينما تمجد مظاهرة لعدة أشخاص ، وتغض الطرف عن ثورة شعب عربي بينما تمجد مايفعله بعض المسلحين في دولة عربية أخرى وتصف ممارساتهم بأنها ثورة جيش حر، وتمتنع عن بث حديث لوزير خارجية دولة عربية بينما تستمع جيدا وتنقل ادعاءات شخص مجهول يتصل بها لا لسبب إلا لأنه مع توجهاتهم.
 
 وكان لسان حالنا يردد ماقاله الشاعر:
 
يسوسون الأمور بغير عدل           فينفذ أمرهم  ويقال ساسة
فأف من حياة و الف أف              ومن زمن رئاسته خساسة
 
وكل ذلك يؤكد عدم وجود الحيادية في الطرح الاعلامي وهو الأمر الذي كنت أبحث عن حل له في ذلك اللقاء  الذي جمعني بالأخضر الابراهيمي في الوقت الذي كانت تشغله أمور أخرى شائكة في تلك المرحلة العصيبة , ولم يجد حلا , فالحيادية تبدو ضربا من الأحلام في هذا العالم المضطرب .
• أكاديمي عراقي

مقالات اخري للكاتب

أخر الاخبار

كتابات الثقافية

عطر الكتب