كان بخيلا حد اللعنة، مستعدا أن يبقى عطشانا نصف نهار على أن يشتري قنينة ماء. أو يمشي مسافات طويلة ليست لرياضة يمارسها ولكن لكي يوفر فقط أجرة السيارة.. كانت متعته الوحيدة جمع المال والأحلام.. أو بالأحرى حلم واحد هو من يتربع على خياله ليل نهار… ذلك المصباح السحري، هو حلمه الأوحد الذي رافقه منذ الصغر، حيث يقف متسمرا مأخوذا حينما كان يسمع أو يشاهد المصباح السحري في أفلام الرسوم المتحركة، إذ يعثر عليه أحدهم فتفتح له أبواب الحظ .. حيث يملي عليه كل ما يتمناه، فتُلبى له في الحال دونما أي عناء.. أو أن يضطر إلى دفع رأس مال قد ينقص بعض مما اكتنزه من أموال حرص على جمعها طيلة حياته خوف الفقر الذي عاناه في طفولته. كان يرتاد الأماكن القديمة والمهجورة لعله يعثر على ذلك الحلم…أية سعادة وأي أبواب للحظ سوف تفتح له لو عثر عليه!
كاد يفقد عقله.. لم يستوعب الخبر حين قرأ لأحد أصدقائه من الذين يحاولون جر الناس إلى منطقة الدهشة وهزهم بقوة ، ليقوض أوهاما كانت لديهم من الحقائق الثابتة، آخرها حين فجر قنبلة دوى صداها في الآفاق.. فقد نشر على موقعه بأن لا مصباح سحري في حكايات ألف ليلة وليلة!! … وبغداد لم تكن يوما مسرحا لمغامرات علاء الدين ومارده الذي يلبي له ما يشاء ويتمنى! وأن هذا الوهم نسجه أحد المستشرقين وضمنها في هذه الحكايات! ليصير المصباح هوية مدينته ، التي طالما تباهت وتباهى أبناؤها به.
اتصل بصديقه هذا.. عاتبه.. توسل إليه بأن يتراجع عن كلامه، وأن يفند ما نشره ، أو على الأقل يكتفي بالتشكيك بما قال… لم يتلق سوى ضحكة عالية هزت الهاتف .
لم يفقد الأمل كليا بعد ، بحث في بطون الكتب، وحمّلَ الف ليلة وليلة بمختلف الطبعات، من مواقع الانترنت، ودفع ثمنا باهضا لطبعة ورقية نادرة بعينٍ دامعة وقلب يعتصره الألم.
عقد النية على السفر إلى بيت صديقه هذا، شد الرحال إليه ، إذ تبعد مدينته كيلومترات كثيرة حيث يعيش وحيدا بعد رحيل شريكته ، كانا زميلين منذ أيام الدراسة ، لم ينقطعا عن بعض على الرغم من آرائهما وطباعهما المتناقضة.. إذ بقدر بخله وعشقه للمال، كان صاحبه يعشق النساء حد التقديس ، يغدق عليهن بكرم باذخ حتى آخر فلس لديه. يراهن أساس كل شيء وأن لا حياة بدونهن..
كان ينوي أن يفاجئه… بهدوء فتح الباب الخارجي ودلف إلى البيت.. أراد أن ينادي عليه من الشباك… ولكنه تراجع أمام منظر صعقه وجعله يفقد عقله، إذ كان البيت يكتظ بعدد هائل من النساء من كل صنف ولون، ورأى صاحبه يتوسطهن مسرورا وهو يحتضن مصباحا سحريا بين يديه. ولكن ما ضاعف جنونه أكثر هو المارد الذي كان مستلقيا بجسده الضخم بين يدي إمرأة بارعة الجمال تداعب خصلة شعره الوحيدة التي تنتصب على قمة رأسه بحنان، وقد طفحت ملامحه بسعادة عارمة.