زيارة ترامب لفرنسا .. دبلوماسية “ماكرون” الناعمة أمام “الزئبق” الأميركي !

الاثنين 17 تموز/يوليو 2017
عدد القراءات: التعليقات
حفظ طباعة

خاص : كتبت – ابتهال علي :

حظت زيارة الرئيس الأميركي “دونالد ترامب” للعاصمة الفرنسية باريس, يوم الخميس الماضي, باهتمام شديد وتغطية واسعة في وسائل الإعلام الفرنسية، التي تبارت إلى طرح تساؤلات حول أهمية الزيارة وثمارها, وما اعتبرته محاولة الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” التأثير في توجهات الرئيس الأميركي عبر عناصر الدبلوماسية الفرنسية الناعمة.

إذ ذكرت صحيفة “لوباريزيان” أن البرنامج الذي أُعد لاستقبال الرئيس الأميركي وقرينته كان مميزًا للغاية، إذ دعا الرئيس الفرنسي وزوجته “بريغيت”، “ترامب” وزوجته “ميلانيا” لتناول العشاء في احد المطاعم الفرنسية الفاخرة في الدور الثاني من برج إيفل الشهير، كما زارا أيضًا مقبرة الإمبراطور الفرنسي الشهير “نابليون بونابرت”. كما اصطحبت قرينة “ماكرون” قرينة الرئيس الأميركي لزيارة كتدرائية “نوتردام دي باريس” الشهيرة.

عاشق لإغواء قادة العالم بالتاريخ..

كما شهد “ترامب”, يوم الجمعة, الاحتفالات الفرنسية وعرضًا عسكريًا بمناسبة العيد الوطني الفرنسي “يوم الباستيل”, يوم الرابع عشر من تموز/ يوليو وكذلك مرور قرن على دخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الأولى، وهو ما اعتبرته وسائل الإعلام الفرنسية أرفع دعوة يمكن لرئيس فرنسي أن يقدمها لرئيس أجنبي.

وذكرت صحيفة “لوموند” الفرنسية أن الرئيس الفرنسي يعشق ربط زيارات القادة الأجانب لبلاده بأحداث تاريخية, مثل دعوته للرئيس الروسي “فلاديمير بوتين”, خلال زيارته لفرنسا في شهر آيار/مايو الماضي, لجولة في معرض عن زيارة القيصر الروسي “بطرس الأكبر” لفرنسا في 1717.

زيارة برج “إيفل” رد رمزي على “ترامب”..

ذكرت صحيفة “لو جورنال دي ديمانش”, أن وضع زيارة “برج إيفل” على جدول أعمال زيارة “ترامب” لفرنسا يكتسب أهمية رمزية, ونقلت الصحيفة الفرنسية عن مصدر مقرب من قصر “الإليزيه” أن البرج رمز على أن فرنسا بلد يفتح أحضانه للعالم رغم حوادث الإرهاب في العامين الماضيين، وأشارت إلى أن الرئيس الأميركي أثار ضجة في فرنسا خلال شهر شباط/فبراير الماضي, عندما انتقد الرئيس الأميركى الوضع الأمني في البلاد متحسرًا أن العاصمة الفرنسية لم تعد كما كانت مدينة النور. وقبلها علق الرئيس الأميركي على الهجوم بمتحف “اللوفر” في فرنسا، عبر حسابه على الموقع التدوين القصير “تويتر”، مؤكدًا على أن فرنسا على حافة الهاوية.

فيما تساءلت صحيفة “لوبارزيان” عبر استطلاع لقرائها: “هل جانب الرئيس الفرنسي الصواب بدعوته لترامب لحضور العرض العسكري في “يوم الباستيل”، واعتبر مراقبون هذه الدعوة  تصرفًا ذكيًا من الرئيس الفرنسي يلعب بها على شخصية الرئيس الأميركي المحبة للظهور الإعلامي والعروض العسكرية.

قلب اللعبة الدبلوماسية..

اعتبرت صحيفة “لوموند” أن “إيمانويل ماكرون” يحاول, باستقباله “ترامب” في باريس, وضع فرنسا في قلب اللعبة الدبلوماسية في العالم، وأشارت الصحيفة إلى سعي “ماكرون”، من خلال دعوته “ترامب”، إلى عدم “القطع” مع الولايات المتحدة، وأشارت إلى ما حدث خلال قمة مجموعة العشرين الأخيرة أوائل تموز/يوليو الجاري، في مدينة هامبورغ الألمانية، عندما حاول “ماكرون” التودد للرئيس الأميركي بعكس قادة أوروبا الأخرين خاصة المستشارة الألمانية “أنغيلا ميركل” الشديدة الانتقاد لترامب, وهو ما توقع المراقبون أن يؤدي إلى شق الصف الأوروبي.

ومن هنا اكتسبت زيارة “ترامب” لفرنسا أهمية شديدة خاصة أنها تأتي بعد أيام من قمة العشرين في ألمانيا, التي جددت فيها واشنطن رغبتها بالتفرد بقرارها خصوصاً بشأن مسالة المناخ المهمة.

ويظهر ذلك عبر تأكيد الرئيس الفرنسي أنه لا يمكن الرجوع عن إتفاقية باريس للمناخ, عقب قرار “ترامب” إنسحاب بلاده من الإتفاقية، كما وجه الرئيس الفرنسي دعوة للعلماء ورجال الأعمال الأميركيين إلى الانتقال لفرنسا وإجراء أبحاثهم إنطلاقًا من آراضيها, ووجه نداءًا لهم: “اجعلوا كوكبنا عظيماً مرة أخرى”.

وفي استطلاع للرأي أجرته صحيفة “لوفيغارو”, استحسن الفرنسيون قيام “ماكرون” بدعوة “ترامب” لزيارة باريس، وذكرت الصحيفة الفرنسية أنه ربما لم تكن مشاعر الفرنسيين إيجابية تجاه “ترامب”، لكن عندما دعاه الرئيس الفرنسي لزيارة البلاد وحضور العرض العسكري في يوم “الباستيل”, أبدى 61% ممن شملهم الاستطلاع استحسانًا للفكرة مقابل 38% عبروا عن معارضتهم لها, وكان اليمين الفرنسي هو الأعلى في قبول فكرة التقارب بين الزعيمين بنسبة 73% بينما رحب بالفكرة فقط 52% من اليسار.

وإن كانت هذه النتائج تبدو متناقضة مع إتجاهات الفرنسيين, إلا أن صحيفة “لوفيغارو” ترى أن الفرنسيين ينظرون إلى هذه الزيارة باعتبارها خطوة في طريق التقارب مع دولة عظمى بغض النظر عن شخصية الرئيس الأميركي المثيرة للجدال.

كما نشرت قناة “بي. اف. ام. تي. في” الفرنسية نتائج استطلاع للرأي رحب فيه 59% من الفرنسيين بدعوة الرئيس الأميركي إلى باريس لحضور احتفالات العيد الوطني “يوم الباستيل”, بينما أظهر الشباب حماسًا أقل لزيارة “ترامب” بنسبة 52%.

لا للمساس بقيم فرنسا..

دعا مقال لأستاذة العلوم السياسية “الكسندرا هوب شيفر”, نُشر في صحيفة “لوموند”, الرئيس الفرنسي ألا يتخلى عن قيم ومبادئ السياسة الخارجية الفرنسية المتمثلة في إعلاء قيمة الديمقراطية والحرية والدفاع عن الوحدة الأوروبية.

ورغم أن التنافس التاريخي لا يزال يسيطر على العلاقات بين فرنسا وأميركا، إذ كل منهما قوة عالمية على جانبي الأطلسي تحمل مبادئ وتصورات مختلفة للعالم، إلا أن الروابط الدبلوماسية بين الدولتين دائمًا ما توصف بالعمق والتميز.

وتتقاطع العلاقات الفرنسية – الأميركية في حقبة “ترامب – ماكرون” في مسارات عدة, أهمها توجهات البلدين نحو التطورات في “بولندا والمجر وتركيا”، فبولندا التي يحكمها حاليًا حزب “القانون والعدالة” ذي الميول اليمينية المتشددة، الذي يغازل سياسات الرئيس الأميركي بينما ينظر لفرنسا على أنها خصم عتيد، في الإتحاد الأوروبي.

وأيضًا تشكل قضية “بركسيت” وانفصال بريطانيا عن الإتحاد الأوروبي مسارًا آخر في العلاقات بين البلدين. تعد هذه المسارات تحديًا لقيم السياسية الخارجية الفرنسية في الدفاع عن الديمقراطية وإعلاء قيم الحرية والوحدة الأوروبية, وهو ما يتناقض مع خطاب “أميركا أولًا” الذي يهمين على سياسة الولايات المتحدة في عهد “ترامب”.

وهو ما أفرز اندفاع الدول الأوروبية إلى الإرتماء في أحضان “الصين واليابان”, عبر برامج شراكة استراتيجية وتسريع وتيرة التفاوض على إتفاقات التجارة الحرة بسبب سياسات الحماية التجارية التي يتبعها الرئيس الأميركي.

تفاؤل “ماكرون” بشأن إتفاقية باريس للمناخ..

فماذا عن ثمار هذه الزيارة بعد خفوت أضواء الكاميرات وعودة الرئيس الأميركي إلى واشنطن ؟.. فيما تعد مؤشرات إيجابية، ما أعلن عنه الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون”, في حوار مع صحيفة “جورنال دي ديمانش” يوم الأحد 16 تموز/يوليو الجاري, بأن الرئيس الأميركي “دونالد ترامب” وعده بأن يعيد التفكير في قرار إنسحاب بلده من اتفاقية باريس لمكافحة التغير المناخي. وألمح “ماكرون” إلى أن “ترامب” وعده بالتوصل لحل ما في الأشهر القليلة القادمة.

يذكر أن إتفاقية باريس للمناخ وقعت عليها 195 دولة في كانون أول/ديسمبر عام 2015، والتي تهدف إلى الحد من ارتفاع حرارة الأرض أكثر من 2 درجة مئوية إلى عام 2100.

اتفقت باريس وواشنطن, في المحادثات بين الرئيسين, على ملفات عدة أهمها الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” في سوريا والعراق، إذ اتفق كل من “ترامب” و”ماكرون” في محادثاتهما على العمل معًا لوضع خارطة طريق لمرحلة ما بعد “داعش”، بينما ظل موقف الرئيس الأميركي الرافض لإتفاقية “باريس” للمناخ حجر عثرة أمام التوافق الفرنسي – الأميركي، رغم أن المراقبين اكدوا على أن المغزى وراء دعوة “ترامب” لزيارة باريس واستقباله بحفاوة كبيرة, هو إعادة الولايات المتحدة إلى أحضان إتفاقية باريس بشأن مكافحة التغير المناخي، التي تعد فرنسا أكبر مدافع عنها خاصة في عهد “إيمانويل ماكرون”.

وشددت صحيفة “لوموند”, في تقرير آخر بعنوان: “ترامب في باريس: الرهان الدبلوماسي لماكرون”, على مدى الأهمية التي يوليها الرئيس الفرنسي لزيارة “ترامب”, مشيرة إلى أن هناك نقاط توافق عديدة بين الزعيمين رغم الاختلاف، وقدم الرئيس الفرنسي نفسه في  دور “حمامة السلام” بسعيه لتهدئة الأجواء المتوترة بين واشنطن والعواصم الأوروبية على خلفية إصرار الولايات المتحدة في قمة العشرين على موقفها من إتفاقية باريس للمناخ.

ووصفت صحيفة “لوموند” موقف “ماكرون” بسياسة “اليد الممدودة” لإعادة الولايات المتحدة إلى دورها السابق, وحتى لا تنكفئ على ذاتها كما يريد لها الرئيس “دونالد ترامب”.

مشاعر الإرتياب وتذبذب مواقف “ترامب”..

فهل تتغير سياسة الرئيس الأميركي بعد الاستقبال الحافل في عاصمة النور بفرنسا ؟.. أبدى كثير من خبراء العلاقات الدولية تشككًا تجاه نتائج الزيارة ومدى نجاح الدبلوماسية الفرنسية الناعمة في تغيير توجهات “ترامب”, بناء على حقيقة هامة أن الرئيس الأميركي يتحرك في السياسة الدولية من منطلق عقلية الملياردير ورجل الأعمال, يتكلم بلغة المال ويضع مصلحة بلاده في المقام الأول.

واستبعد الكثيرون أن تؤدي استراتيجية “ماكرون” إلى أي تغير ملموس في تصرفات “ترامب”، حيث إنه من المستحيل التنبؤ بأفكاره أو تصرفاته كما يصعب إقناعه بتغيير أرائه.

وما يضاعف من مشاعر الشك لدى المراقبين, شخصية “ترامب” التي لا تتردد في تغيير مواقفها وتتسم بتذبذب بوصلتها الدولية ما بين ليلة وضحاها حسب مصالح بلاده، ولعل موقفه من أزمة مقاطعة دول عربية هي “السعودية والإمارات والبحرين ومصر” لـ”قطر” خير دليل على تأرجح مواقفه تجاه “قطر” بين التصريح علانية أنها دولة راعية للإرهاب وبين إبرام صفقة بيع طائرات للدوحة قيمتها تسعة مليارات دولار.



الانتقال السريع

النشرة البريدية

تعليقات فيس بوك

تنويه لابد منه: ايماناً منا بحق القارئ فى التعليق على الاخبار و المشاركة الفعالة بعرض وجهات النظر المختلفة، فقد اضفنا خدمة التعليقات بواسطة حسابك على الفيسبوك.

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأى ادارة الموقع و يتحمل كتاب التعليقات المسئولية الاخلاقية عن محتوى تعليقاتهم.