|
مثقفو الصراخ
اليومي : هذا قطار السريع..!
كتابات
- د.رياض الأسدي
( لمناسبة
غياب المثقفين عن قوائم انتخابات 2010 التشريعية)
هل من
المصادفة أن تكون وزارة الثقافة لدينا هي من أقل الوزارات شأنا، ولا
تساويها في عدم الأهمية إلا وزارة المرأة والبيئة؟ كلا الوزارتين الأخريين
على جانب كبير من الأهمية البالغة للإنسان العراقي في هذه المرحلة الشائكة
والغريبة. ليس من الضروري أن نكون ديغوليين كي نضع (أندريه مالرو) في وزارة
الثقافة طبعا. لكننا نحاول ان نفكر.. هذه الوزارة تخضع للمحاصصة، ولا شأن
لأحد بها وبمن يشغلها: هل تفهمون يا سادة يا كرام ان تخضع وزارة ثقافة
للمحاصصة؟! كارثة. ذلك نحن نتحدث بالعربي الفصيح : هَيي لغوجيه أنتم ولا
تعرفون ماذا تعني المحاصصة، حقيقة، وما مغزاها وما درابينها؟ وما
طوابيرها.. درابين عوجة، وطوابير لعينة. ويمكنكم ان تسألوا : ترى لماذا
يمكننا الاستعانة بضابط شرطة أو شيخ سلفي ليدير وزارة الثقافة؟ ها؟ يمكن
الاستعانة ببطل زورخانه أيضا! وماذا يحدث لو استعنا حتى بملاحظ خدمات كي
يدير الثقافة والمثقفين في العراق؟! شكو انتم؟ ولم لا؟ فالوزير ليس شرطا أن
يكون متخصصا في الثقافة مثلما وزير الصحة ليس شرطا ان يكون طبيبا
طبعا، عصر التخصصات ولى وجاء عصر التلصصات؛ هو سياسي والسياسي طماطم على
كلّ شيء يركب! طبعا، ثم أن الثقافة مجرد منبر (للغوجيه) من زمن اوتونابشتم
رحمه الله إلى الرئيس (البالواني) مام جلال طالباني: هكذا يحاول البعض أن
(يكتم) في صدره.. والمثقفون في الواقع لا يجيدون غير الكلام والملام والحسد
والنقنقة وحدها! فقط لا غير. هؤلاء "المسقفين" بسقف الاعتراض والمعارضة
والتعارض والتعريض دائما وأبدا، مسكونين بكلا ولا ونه ونهي ونا ونو ونيست،
وممسوسين بالبتة العربية الباتة، لا يعجبهم العجب نفسه، ولا يرون في الدنيا
غير قاماتهم: عبالهم بس همّ يفتهمون بهذي الدنيا!
وكان
من البؤس الحكومي الفرنسي في القرن الماضي، حقيقة، أن لا يتم اعتقال جان
بول سارتر في أحداث الطلبة عام 1968 لأنه كان عنصر شغب وطويل اللسان ومفسد
في أرض فرنسا!؛ وما مقولة الجنرال ديغول حول اعتقاله هو "اعتقال لفرنسا"
إلا محض نكتة باردة أراد أن يحسن بها صورة الجنرال فقط! ولو كان سارتر
عراقيا لقضى منذ زمن طويل في نقرة السلمان أو قصر النهاية أو الحاكمية أو
سجن بادوش أو بوكا.. أو .. أو..أو....أووو.....ووووو! ياذيب ليش تعوي حالك
مثل حالي ووووووووو! وطالما يعبر عن المثقفين بالنخبة
Elite
التي تحرك الفكر والنقد والثقافة وتحاكي المستقبل من أبراجها العاجية أو
غير العاجية أو من مقاهيها البسيطة أو اتحاداتها الهزيلة والمريضة في أي
بلد متقدما كان أم متأخرا. ولكن، هل رأيتم أمة نهضت بلا نقد لنفسها أو
لغيرها؟ أين هم النقاد في الفكر والأدب والاجتماع والسياسة والفن؟ أين
أولئك الذين يصيحون: هذا قطار السريع عيعوووو! إنهم جميعا تقريبا خارج
الوطن. مرحى للعالم الذي اخذ جميع الأحبة ولم يبق إلا أولئك الذين خانهم
الحظ او أعجزتهم الحيلة من أمثالي. ومن لم يغادر هو يحزم حقائبه الآن؛ لن
يبقى في الوطن إلا أولئك الذين خانتهم القدرة على اتخاذ القرار الصحيح في
الوقت الصحيح، أو تقطعت بهم السبل أو هم ممن يعانون من مرض (هوم سك) أعاذكم
الله منه. وها هو وطن طارد لمثقفيه وعلمائه ومبدعيه بكل صنوفهم حتى أصبح
(طنا) من الألم على الرأس. فمرحى لغيرهم من أعداء الثقافة إذا، ومرحى لفيلق
المعتوهين الذين يمكنهم استئجار (شعراء شعبويين) دائما من "سوق مريدي"
للكلمات والبيوت الجاهزة لكي يعلنوا عن برامجهم السياسية التي لا تستحق
كلمة برنامج أبدا.
ويصرخ
المثقفون – بروليتاريا الصياح اليومي- على "الغير" بأنهم مهمشون دائما، في
العهدين الأسود الكالح والأحمر القاني على حدّ سواء. وهم على حافات
القرارات السياسية، دائما، أو هم ممن لا يستجاب لرأيهم، ولا تؤخذ مشورتهم،
وهم هم من صنع للكلمات أشرعة وأجنحة: مخترعو الطيران الأول والحروف الأولى
والأرقام الغبارية واللوغاريتمات.. لكنهم في الوقت نفسه يعدون أنفسهم أكثر
دراية من السياسيين بشؤون بلادهم.. يا للعجب العجاب.. ماذا يريد هؤلاء أن
يكونوا؟ وماذا يحسبون نفوسهم، أنبياء عصرهم؟ ولماذا تحجب كلمة "ثقافة" عن
الحياة عندنا هنا في العراق؟ وهل من (السعادة العراقية) المفخخة أنها لم
ترد في نص الدستور العراقي الحالي ولا مرة واحدة! وهل ستشمل التعديلات
المقترحة وضع كلمة ثقافة في مكان مناسب كي يرضى السادة المثقفون؟ وما الذي
يحدث على الأرض إذا ما كانت ثمة كلمة ثقافة ام لم يكن؟؟ وماذا يمكن ان تفعل
الثقافة في ليل الجهل والقتل المجاني والكره والقسوة المتناهية؟ يمكن
للثقافة الحقيقية الوطنية وحدها أن تفعل الكثير لو فسح لها المجال، ولو مرة
واحدة أمام هذا الغول الأهوج الذي يسحب الناس من أياديهم إلى الموت والموت
وحده.
من الصعب
معرفة ماذا يريد المثقفون الآن على وجه التحديد، فهم على العموم ليسوا
جماعة متجانسة فكريا، ولا منسجمة سلوكيا، لكنهم قادرون على العمل الوطني
الخلاق والمبدع قادرون على القيادة بكل ثقة.. صحيح انهم دقداقيون دائما
ولغوجية ولا يرضون حتى عن أنفسهم لكنهم يمكنهم تمييز الحق عن الباطل غالبا.
وعلى الرغم من أن أفكارهم حول السياسة غالبا ما تكون غامضة ولا معنى لها
وهم ينظرون إلى كثير من السياسيين على أنهم مجاميع لصوص رسميين، لكنهم في
الوقت نفسه متسامحون جدا: وهذا ما يفتقده الجميع الآن. ورغم هذه الحسنات
وهذه الهنات هم محض مهرجين أحيانا، بنظر مناؤيهم. لكنهم دائما من أكثر
الناس في المجتمع تأثيرا أيضا ومن الصعب تجاوزهم و(مليون دينار) لإسكاتهم
لا تكفي..
لا احد
يعلن في العراق كرهه الداخلي للمثقفين والمتعلمين والعلماء ورسل التربية
على نحو علني، قط ، كي لا يقال عنه متخلفا أو معتوها أو مصابا بلوثة ما؛
لكن (جيشا) عرمرما من (هؤلاء) يطوف في دوائر الدولة الطفل الذي يحبو لدينا؛
يرى في المثقفين العراقيين أناسا مهووسين بالغرب والغرائب وهم لذلك لا
يستحقون العيش إلا خارج وطنهم. ويقولون: ماذا فعل الجواهري السكير الكبير
غير جبل من الكلمات؟ هل أسهم في بناء برج دبي؟ مرحى لأعداء الثقافة الذين
بنوا للعراقيين أبراجا من الجماجم لا توازي ما أحدثه أيفان الرهيب ولا
جماجم تبليسي ولا حتى الهولوكوست؟؟ ولماذا يقام للجواهري تمثالين في
السليمانية ولا يسجل باسمه غير شارع خجول في النجف أخيرا، وبعد مطالبات
حارة؟ هل تريدون أن نقيم لكل كاتب صحفي من الدرجة الثالثة تمثالا و نطلق
أسمه على شارع؟! ماذا نبقي إذا لقادتنا التاريخيين الحاليين والمستقبليين؟
ماذا كسبت البلاد منكم غير اللغو واللغو ثم اللغو والصياح والصراخ وحده!
يريدون أن يصبحوا قادة أهل.. رائحة كريهة! عيع! جاء قطار السريع..
|