|
خطاب الجماعة
كتابات
- حمزة الحسن
لا يجد
المرشح اليوم شيئا يقوله لا يقوله المرشح المجاور من الشارع نفسه أو القناة
نفسها أو من الحائط نفسه، وحين يصرخ مرشح بالماء النقي يصرخ الآخر بالماء
النقي وبالكهرباء كاضافة مزعجة للخصم، وحين ينادي أحدهم بتوفير العدالة
ينادي الخصم المنافس بأن العدالة وحدها لا تكفي بل تحتاج الى الأمن، وعندما
ينشد أحدهم بحب العراق الجديد يطالعه الغريم من النافذة المجاورة بحب
العراق القديم والجديد، وفي هذا الازدحام والتنافس، المشروع وغير المشروع،
الحقيقي وغير الحقيقي، لأن مثل هذه المفاهيم لا تصلح كقياس لمثل هذه
الحالات، في هذا الاختلاط والتداخل يصعب التمييز بين من يقول الصدق ومن
يقول الكذب، لأن اختبار مثل هذه التجارب يتم خلال العمل، اي بعد النتائج،
وبعد النتائج يتغير القياس وتتغير الظروف ولا أحد يسمع أحدا.
العراقي
اليوم مستعد لسماع كل المشاريع، الحقيقية والمتخيلة، والتمييز صعب في لحظات
الحسم، لأنه في النهاية لن يخسر شيئاً لأنه لا يملك ما يخسره، فالإصبع
البنفسجي اذا لم يأت بالنتائج المرجوة، لمليون سبب وسبب، بعضها علني وبعضها
الاخر سري الى الأبد، لا يحاسب أحداً غير ذاك الإصبع نفسه، وعليه أن يجد له
استعمالا آخر في أمكنة العزل والخصوصية حين تمشي الرياح بما لا تشتهي
السفن، ومن الطريف أننا نفكر في قوانين السفن فقط وليس في قوانين الريح:
وقوانين الريح في حالتنا اليوم لا يعرفها الا الراسخون في حصون السفارات
المكتظة بالخبراء والمنجمين والسحرة ومن لف لفهم.
والسؤال عن
العقلانية في مثل هذه الأوقات كالسؤال عن قوانين الفيزياء في التكوينات
البدائية في الغابات، لأن العقلانية ليست خيارا شخصيا، ولكنها منظومة قيم
مستقرة وقوانين وتقاليد سياسية وثقافية واجتماعية واقتصادية متينة ونخب
علمية ومعرفية وأدبية بحقوق فردية وعامة وضمانات صحية والخ، لذلك يكون
الحديث عن" العقلانية" في لحظات العواصف كنصيحة واعظ علي الوردي للذئب
بالكف عن أكل الخراف: لأن أيديولوجيا الواعظ غير غرائز الذئب وبينهما حائط
صلب من الرغبات والمقاييس والقوانين.
ولكن لماذا
لا نفرح في فرح الشيخ والسياسي والفقيه والجنرال المتقاعد وعالم الذرة
والسياسي النزيه وغير النزيه ما دام الفرح ظاهرة بشرية عامة؟ لا نستطيع ليس
من باب خيانة الكتابة والمصداقية والتفرد والاختلاف والحق المشروع في
الكلام في قضية مصيرية كالسلام والحرب، ولكن لأن الفرح المغشوش نفسه الذي
يلغي ذاكرة قرون من الظلم والقهر والتسلط، نوع من بيع بضاعة سامة لجمهور
غافل أو متعطش للخلاص، وعطش الخلاص يلغي العقلانية لأن فكرة الخلاص آنية
فورية وعاجلة لا تحتمل التفكير، كمن يتأرجح في بئر بحبل ممزق، وفي أعماق
البئر وكر من الأفاعي، خاصة اذا كانت هذه الأفاعي عراقية ومدربة على الرقص
ببنطال مثقوب من الخلف حتى في المآتم الكبرى.
الفرح
ظاهرة انسانية ولكنها ليست انسانية بالمطلق: فرح الجلاد، مثلا، غير فرح
الضحية بالنجاة، وفرح المقاول المحتال بالمال غير فرح العاشق، وفرح الفقير
بالعمل النظيف غير فرح فرح المالك بالكسب الحرام والخ. الفرح طبقي وقانوني
وقابل للتصنيف والاستعمال، لذلك لا نستطيع أن نفرح، كما أن من حقنا كذلك أن
لا نفرط في الأمل ولا في اليأس ولا في الريبة ولا في الشك، ولكن الشيء
الوحيد غير القابل للجدل والتسوية والتأجيل والانتظار هو فحص كل هذه
المشاعر وغيرها الكثير بناء على سؤال مركزي: متى حصلت قطيعة بنيوية مع
تاريخنا وثقافتنا وممارستنا السياسية لكي نكون على قناعة من أي مستوى على
أن تاريخا جديداً يتأسس على أنقاض تاريخ قديم؟ وبلغة غرامشي: في أي لحظة من
لحظات الصراع مات فيها القديم المعقد والمتشابك والعويص غير المفحوص ولا
المراجَع، وولد الجديد؟ والجديد المأمول والمنتظر، سيولد من رحم أي مراجعة
فكرية عميقة ومن هي المؤسسة المعرفية والعلمية التي قامت بفتح سجلات
التاريخ المأساوي؟ والسؤال الجوهري الآخر: كيف يمكن بناء مجتمع بالشعارات
بلا رؤية نقدية؟ بلا قوة حامية شرعية؟ بلا مؤسسات سياسية تعمل باخلاق
تضامنية وطنية وليس على مفاهيم الانتماء؟ وهذه الأفكار الزاهية من سيقوم
بتطبيقها في مجتمع يحتاج الى مصحات نفسية أكثر من حاجته الى مؤسسات دينية
وأمنية؟ من هو سبع الليل من الفئران الذي يعلق الجرس في رقبة القط ويحول
هذه "الفكرة" المنقذة من شر القطط الى" واقع" حقيقي؟
أشعر
بالشفقة بل بالتضامن مع كل هذا الحشد من المرشحين، جنود القانون القادم،
والمجتمع القادم، والعدالة القادمة، والمستقبل القادم، والماء النقي
القادم، والنار القادمة، والعشب القادم، والملابس والصحة والمدارس القادمة(
نحن نعيش في الزمن الافتراضي القادم) لسبب لا علاقة له بالسياسة أو الشرعية
بل لأن كل ما يقوله أحدهم، صادقا، مخلصا، نزيها، يقوله المنافس المجاور،
كذبا وزورا، ورياءً، والنتائج لا تظهر، وهنا وجه الكارثة، الا بعد أن يكون
الأوان قد فات، وتعود مؤسسات الاستلاب الى الظهور كما في كل مرحلة، رغم ان
العراقي قلص أحلامه ورغباته ومطالبه الى أدنى مستوى بدائي من الحقوق
الطبيعية ومنها ما كان موجودا، أصلا، في الغابات الأولى، كالماء والنار
والسكن والأمن والطعام والمراعي والتتن.
|