|
جرف النهر
كتابات
- فاطمة ال شبير الخاقاني
الى عمق النهر
تعمقت عيناها فسعدت به .
هناك هلال يحدق
فيها يبادلها ارتقاصة دمع يتموج على سطح النهر فبات الظلام به معنى .صدقت نظراته
ودموعه لانها تجري ما بين ايديها الان في هذا النهر . فمن المحتم الان ستفهم شيئا
ولكن كان الظلام حالكا فرفعت راسها المتثاقل.
شعاعه يسبقها و
تموجاته تختفي ما بين النهر واعماقها فامتنعت من ان تثير الموجة باصابعها ليستمر
استمتاعها بمنظره فاغمضت عينبها وهي ما زالت تراه .
ذهب عنها الصدى وهو
يهمس همسا وادركت كل المعاني التي يقولها .
فهل من المعقول ان
يتكلم بحكمة دون ان يكون قد عرفها وكم التقاها في كل حين بحنان يذوِّب منها الشك .
قصر الدرب فوق
كفيها وهو يقتصر مقتربا يؤدي اجاباته المغبرة بالانوثة في مواجهة تسائلاتها و بيقين
يبرق ما بين عينيها في سطح صفاء هذا النهر .
هل تستمر بالتوقف
بحريتها في محطة منتهية للابد ام ماذا ؟
الخلق يبتعدون عنها
وهم مولودون بالثرثرة و احرار ما بين كون شاسع .
وقوفها طال وذلك
النور وهمسات رجلِها المغيَّب بنسماته الباردة تطلق رجفتها من عالمها و لتنهار على
الجرف الطيني للنهر وصدى يمتلك الكون من حولها:
: قيديني بك والا
سانتحر
اجوبة تعرفها وهي
تريد ان تتحرر ولايشترط ان تعرف السبب:
:لماذا تتمسك به ؟
وعادت موجة النهر
بالتلاعب بفعل نسمة تهب فانتعشت ولكن تلك الرقصة المائية كأنها موجة ثائرة تضرب
عقلها ليدوي في صداه فقد حرمت من معرفة الهدوء لتتلطخ شفتاها بالطين و لترى نزفا
يتقاذف من انفها ومرارة الطعم على لسانها.
اغمضت عينيها عن
بساطة النور بذلك البعد وقامتها الانثوية بروعة بساطة حياتها توقفت بها عارفة
برغبتها دون رحيل يذكر ومرة اخرى اثار النسيم سطح الماء ولكنه ضرب عقلها بثورة موجة
عظيمة فضمت راسها الى الجرف كي تهدأ العاصفة.
سكنت اضلاعها ولم
تحس انها تلمس شيئا وضاعت كياناتها في الفراغ دون احساس بنفسها ولو لبرهة من
الزمن معاندة ان تفقد توازنها نحو الحرية وقد تطينت قامتها واتسخت ملابسها ولاول
مرة لم تبالي بقول الاخرين وحتى الاهل اذا ما رأوها بهذه الحالة كأنها هي الصمت
والسكون سوية وقد اماتت كل جسدها وهي تدفنه في الجرف متمتمة:
:ماذا فعل بي
لم تجد فنا لديها
للأنطلاق الا البكاء و لم تجد تفسيرا لحياتها لتمقت كل ذلك النظام في منهج حياتها
والذي كما قال هو لها :
:انه يشكل احد
جوانب جاذبيتك
تمنت لو لم تقاوم
الانهيار رغبة بالعدم فضمت اطرافها مقاومة الاتزان ولو لمرة واحدة رغبة باستطعام
الجنون .
انعدمت همساته وحتى
الضجيج وكان عالم سمعها انتقل الى اثير صمت مطبق وحتى الذكريات انعدمت اجراسها
فهالها الموقف وبات عقلها في جمود ولم يكن هناك ذكر لقلبها .ربحت برغبة اللابالية
التى عاشتها امام النهر دون مهارة انثى تعرف ما تريد في توقف باستقامة على الجرف
وقد وجدت همسة تتنسم فوق سطح النهر تحاكي ذلك الهلال غير مكتمل.
وما بصرت روحها
باستمالة لاي شيء سوى الموت فاقامت وجنتها ضد الافق مالكة رؤيا جديدة وهي التى ما
رغمت على شيء حتى الحب .
الامها لم تكن
كبساطة ما يعيشه الناس بل هو تمنع شعور من ان الرجل يدرك انها ملكه الشخصي يتلاعب
بها ما يشاء . قد اعدمت الشعور بالاطرافها فانقلبت الى قرب النهر مفتحة العينين و
طافية في ضجة عاشتها ربما بما تذكر لها صديقاتها من تجارب للنساء والفتياة و
متسائلة :
:هل الانثى متهالكة
وان الرجل يعرف ذلك ؟ ام لأنه يجهل عالمها فيؤدي الى تهالكها كيما تعرفه ما هي ؟
وبالنتيجة لا هو
يعرف ولا هي تفوز و في كل الاحوال تبقى وفية ولكنه بأدعاء الرجولة او ربما بأدعاء
اخر يبقى كعادته في امية العصور فقد عرفت الامر من اثر خصال النساء او من خلال
مشاعر الرجال البسيطة عندما تستقيم بقوة على نفسها.
اغمضت عينيها وبات
الليل صافيا بعتمته وهي تحدق عبر صفحة النهر وقد باتت سجادة من بريق النجوم كأنها
دوموع لِلا نهاية من الاناث . الغريب تظهر النجوم رغم كل هذا الجمال معدمة الحياة
لربما :
: كل ما فيها صامت
حتى انت الهلال لايعرف الا ان يكون منورا .
اضلاعها تتقلص ولم
يراودها انها في حلم بل هي الحقيقة التى تتطين على جرف النهر وسكن رأسها متاكدة من
كل شيء مستمعة لكل ما مر بها مندهشة انها ما طلبت يوما امرا لحاجتها او ابدت رغبتها
لشيء فتمتمت مع نفسها :
:كنت افكر بذلك
دوما .
تقارب من نفسها
واقتربت من روحها كلما ابتعد هو وكل اضلاعها وكيانها باتت معدومة اللسان وكأنها بلا
فم وليس من حقها ان تعيد عليه شيء لأنه كل امرها كان بيده فحرمها حقها وان كان
يحبها فقد كان الحب نقمة عليهما وان لم يشعر هو كأي رجل .
صغر عندها برهة ذلك
الارتفاع وهي باستقامتها معمية للحظات عن الافق و نظراتها تمسكت الجرف في صفاء
الليل وهمسة تنسل اليها لتوقضها في ذلك الصمت القاتل مثيرة فؤادها . تعود الذكريات
رغم المعاني الميتة متذكرة انها امرأ ة اجادت انوثتها تجاه الحب ولهذا نزفت على
الطين في هذا الليل.
عاندت ضم اضلاعها
للحظات وهي تشعر ببرودة الطين فاغلقت كل جوارحها وجف الدمع عندها واخرست المعنى
فياتت تخشى وجودها او سخرية القدر . انها تدركه ما هي وتدرك شاعرية معانيها
لاكتشافات حلم جديد عارفة حتى اغماضة عينيه عند الحديث معها. ولكن الان وجدت نفسها
على جرف النهر وفجئة لم يظهر النهر والافق والطين كما كانوا ولم يكن الظلام اكثر
صفاء . افتقدت الى الشكل والطعم واللون حاولت الهروب كيما تتنائى عنه بثورة . قد
عدمت ملامح الكثيرين كما عدمت ملامحه وبات الهلال يغمض عينيه ولاول مرة في حياتها
تعرف ان الهلال يغمض النور ليعتم فاغمضت هي الاخرى ,
تزيل اقنعة الحياء
والمجاملة لتتوحد مشاعرها دون ان تتلبس نفاق الحيرة من الاسباب:
:أنا الثائرة دوما
فكيف عبدت نفسي لثورة الانسان فما ادعيت الحكمة يوما .
لتقوم التجارب لها
ولصديقاتها او اهلها فافتقدت المنطق دون قناعة لتجذبه نحوها وهي الساكنة التي تزمهر
الماء فيتقبلها الجميع وما عرفت تسائلا ابدا فضمت راسها اكثر في الطين كالنعامة :
:انني اعرف دوما
كيف اقنعه ولكن لماذا لم افعل ؟ هل تهمة الكبرياء ضدي صحيحة ؟
انتبهت لوميض بريق
في النهر والذي لم ترفع عينيها عنه فغزلت عينيها تناسب بنسمات باردة فكتمت
اهاتها وقد سد من حولها صدى ثورة موج نهر صغير والذي بات عملاقا فشعرت بالعدم سوى
بوجود الهلال فخاطبته:
ضيائك ليس لمفرده
ينساب بي فكم اطفئت الحياة تعتمت ثائرا ضد هذا الصفاء لماذا؟
عاد الصمت اطلقت
اصابعها تمزق الطين تحجب اقنعتها من جديد فما وجدت في استلقائها سوى تموجات نهر
وهمسة خرساء وبريق هلال.
مدت يدها لسطح
الماء حيث ما زال الهلال هناك فانقلبت لتبصره في قبة السماء فلم ترى سوى العتمة .
تحسرت لو انها لم تحدق الى السماء ومكثت تحدق به في قعر النهر فبرقت دمعة في عينها
.
alshobairi@live.com
|