الصفحة الرئيسية

كلمة كتابات

الكتابات المنشورة  تعبر عن رأي اصحابها - الرقيب ضمير الكاتب

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com <<<  webmaster@kitabat.com

الارشيف

كتب

7  تشرين اول  2008

ابحث في كتابات

 

لك خوذتي يا وارد بدر السالم

 

كتابات - حسن النواب

 

لا ادري على أي ساتر من جبهة الحرب كنت ادافع عن موتي وخوفي واوجاعي ايضا ، حين وقعت بين يدي صحيفة تقول ان وارد بدر السالم حصل على الجائزة الأولى في القصة القصيرة .. إستغربت الأمر ؟؟ لأن الإسم كان غريبا بمفرادته الثلاث على التداول الشائع بالأسماء لدينا في العراق .. وأقول العراق هذه المرة ولا أقول البلاد .. لأن ما سأتحدث به عن هذا العبد الفقيرلله ينتمي دون لبس الى العراق وليس الى البلاد .. لاحظوا مفردات الإسم .. وارد .. وهو إسم يندر ان نسمع به في حياتنا العراقية ،  ثم يأتي .. بدر .. وهذا إسم كثيرا مانجده في بلدان الخليج .. وبعده السالم .. وهذا ايضا يحيلنا دون تعب الى الخليج ايضا وتحديدا الى الكويت.. فقلت في نفسي  وأنا اقرأ إسم من فاز بجائزة القصة .. هل من المعقول ان قاصا من الكويت  يفوز بمسابقة للقصة في العراق .. ؟؟!! لقد آمنت حينها أن  ذلك الفائز هو من دولة الكويت وأن المسؤولين عن تلك المسابقة فعلوا ذلك مجاملة لدولة الكويت التي كانت تتعاطف معنا بشكل مثير حقا أثناء الحرب مع ايران.. وبقيت على هذا الظن لشهور طويلة .. حتى قرأت مقالا آخرا في  احدى الصحف يتحدث به الكاتب عن مشاهداته اليومية لبعض الأدباء ويتطرق بتلك المقالة وفي بعض سطورها الى وارد بدر السالم حيث اذكر انه كتب .. (( كان وارد يقف منزويا والدمع البصري يكاد ان يسيل على خديه ليضيف حزنا آخرا للخجل البصري الذي .. )) هنا تراجعت عن فكرتي التي كانت تظن ان هذا القاص من الكويت .. وعصفت بي رغبة عجيبة ان اراه .. حينها لم اكن اعرف المسالك التي تؤدي الى  مكان تواجد الأدباء .. غير ان صديقي الشاعر هاشم معتوق كان كثير الترحال الى بغداد .. واذكر انه جاء لي مرة  في كربلاء وهو يتحدث بسعادة عن رؤيته للشاعر اديب كمال الدين في مقهى حسن عجمي .. وعلى أثر ذلك اللقاء اهداه المسبحة التي ورثها من جدته .. ومرت الشهور والقصف يتصاعد بوتيرته على رأسي في جبهات الحرب حتى حانت اللحظة التي ادخل فيها الى مقهى حسن عجمي وهناك رأيت وارد بدر السالم لأول مرة ، كانت نحافته مع صفرة وجهه المنقوع بماء الصفصاف قد اثارت بداخلي  مواطن الدمع دون ان ادري ، ثمة حزن بريء ينز بتؤدة من ملامحه ولكني لم استجب لعواطفي الواهنة في تلك اللحظات ولم اقترب منه ، وصرت اقرأ كل القصص التي ينشرها بلهفة لاحدود لها ، واذكر ان قصته التي نشرها في مجلة الطليعة الأدبية وكانت بعنوان أمطار سامة قد اثارت إعجابي لصدق السرد فيها عن تلك الحرب ولما حملته من كوابيس مقنـّعة تمكن القاص وارد من تمريرها بين سطور القصة ببراعة ، حينها قررت ان اتجاذب معه الحديث اذا ماجمعتني المصادفة معه ، وكان ذلك في نادي الأدباء حيث انضممت الى مائدة كان يجلس بها القاص المبدع وارد وتمكنت بعد ان تجرعت عشرات الكؤوس من إبنة الكروم ان افتح باب الحوار معه فحدثني عن ظروف تلك القصة وكيف استدعاه عبد الجبار محسن في ساعة متأخرة من الليل بينما كان يخلد الى النوم في احد فنادق البصرة ربما هو فندق ابن الهيثم وكان سحر ابنة الكروم مازال عالقا في رأسه .. يقول وارد استدعاني عبد الجبار محسن لكي اكون في مقره المتقدم من الجبهة على وجه السرعة وحين وصلت الى هناك اخذتني مدرعة الى عمق جبهة الحرب بعد ان امرني محسن ان اذهب لمشاهدة المعركة هناك في نهر جاسم .. وحين وصلت المدرعة الى  احد السواتر وكان ضوء الغبش يتفتق في فوطة السماء السوداء هالني مارأيت من طوابير الجثث العراقية المجطولة على طول الساتر مع سقوط امطار على خوذتي كانت اشبه ببراز الشيطان ؟؟  وكنت اتعثر بالجثث ولم اجد فسحة صغيرة لأضع بها قدمي .. من ذلك المشهد المرعب  كتبت قصة امطار سامة . هذا هو وراد بدر السالم في قصصه التي كتبها اثناء الحرب كما لا اظن ان هناك قصة واحدة تحمل لعاب التملق في جميع قصصه التي قرأتها ، واذكر في معركة الفاو الثانية التي استرجعنا بها الأرض الملحاء بقدرة قادر ، كنت اقود دبابتي على الشارع الترابي المؤدي الى قلب مدينة الفاو حين لمحت " واردا " في سيارة لاندكروز بيضاء وهي تخطف بسرعة الى جانبي الى حيث لهب القصف الذي مازال اتونه ملتهبا فوق الرؤوس واذكر اني صرخت به .. فأخرج يده ملوحا بسرعة خاطفة ، وحين التقيته بعد شهور في نادي الأدباء واخبرته بتلك الصيحة ضحك بوجهي وقال ياحسن الكثير من الجنود كانت تصرخ على سيارتنا ثم استدرك قائلا نعم سمعت ثمة من ينادي بإسمي  ولكن حسبت حينها ان روحي من هتفت بإسمي ، وارد هذا المبدع النادر بقلمه غير وارد بشخصيته المسالمة والمنكوبة والتي لاتقوى على الرد عضليا حتى على فتى غر لو حدث وان شتمه على قارعة الطريق ، ووارد هذا لايجرؤ على شتم انسان بسيط يعود نسبه الى النبي (ص) لقناعته المطلقة ان تلك الشتيمة ستجلب له النكد والنحس وبمعنى ادق ( ستشوّر) به تلك الشتيمة اذا ما اطلقها ، فكيف لشخص مثل وارد بدر السالم ان يشتم المرجع الديني لمذهبه ؟ وهو الذي يتمنى ان تمس اصابعه تراب مجلس هذا المرجع الديني الكبير لسبب بسيط ان مرجعية وارد الدينية لا يمكن التخلص منها وهو الذي ترعرع وسط اهوار الجنوب  وان ذكر الاولياء والصالحين يدعه في لحظة ذهول حتى الآن . نعم ربما وارد يتوغل عميقا في اسرار تلك الرسالة المحمدية المباركة مثلما فعل في قصته الشهيرة " الزاير علي" لكنه لا يمكن ان يجرؤ ويتعدى نأمة واحدة حدود تلك القداسة التي نصونها جميعا ، ولا ادري كيف وصلت القناعة عند احد الدكاترة  النجباء ان " واردا " هو شاعر بصراوي !! ؟ الذي يدوّن مقالاته في موقع كتابات ، برغم ان اي قارىء له احتكاك مباشر مع الأدباء بوسعه ان يعرف شاعر بصرواي دون عناء ، ولست هنا بصدد الحديث عن شاعر بصراوي الذي يعرفني كما اعرفه .. ولكن ان يلقي دكتورنا الفاضل بتهمة باطلة على دشداشة وارد التي مازال جمر الحرب يستعر بنسيجها البالي فذلك هو الظلم بعينه ، ثم لاحظت ان " واردا " حتى برده على ذلك الدكتور الفاضل لايحسن الدفاع عن نفسه ، وهذا هو وارد يفشل دائما في معركة الحياة لكنه يربح دائما في معركة الأبداع وهذا ما يدع البعض يبغضونه وربما انا واحد منهم .. فلك ياوارد مني خوذتي وبندقيتي وجعبتي وماتبقى من ابنة الكروم التي كنت احرص ان اضعها في زمزميتي مع كل معركة كنت أخوضها في تلك الحرب التي كنا نعرف منذ الوهلة الأولى ان تلك الحرب لامعنى لها والسلام .