|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها - الرقيب ضمير الكاتب |
||
|
7 تشرين اول 2008 |
|
عندما رد العالم عبدالجبار عبدالله دينا في عنقه!
كتابات - عبدالامير المجر
هي حكاية قديمة، تنشطر تفاصيلها بين زمنين كلاهما اندحر تاركا صدى ما حدث خلاله في ذمة الذاكرة او تحديدا في ذاكرة الشاعر “داود الرحماني” الذي فاض لسانه بها في جلسة خاصة جمعتني به مع بعض الاصدقاء ووجدت انها تستحق ان تدون ربما اشفاقاً على ما مضى وليس للعبرة لان العبرة للمعتبرين حصراً..! فحين وصل “الشيخ عبد الله” المكتبة الصغيرة في مدينة العمارة في أحد ايام عام1925 لم يكن الكثير من الناس الذين صادفهم في الطريق ينتبهون للطفل الذي كان يسارع الخطو جنبه باتجاه المكتبة، ولم يكن يعنيهم ما يريد..، دخل الشيخ يتبعه ابنه الصغير “عبد الجبار” يعالج خجله بنظرات كسيرة.. لقد اضاع كتاب “القراءة الخلدونية” وعليه او على ابيه ان يشتري له نسخة منه من مكتبة السيد “عبد الرحيم الرحماني” والتي سيكون اسمها عام1928 “المكتبة العربية” بمشاركة رائد الصحافة وصاحب جريدة “الهدى” في “لواء العمارة” السيد عبد اللطيف الهاشمي، وسيتفق الرجلان بعد عام اي في1929 على تسميتها بـ”المكتبة العصرية” التي مازالت نافذة الضوء الاشهر في “محافظة ميسان” قبل ان يفترقا كل لشأنه فالسيد الهاشمي يشغله هم السياسة والصحافة، بينما تشغل التجارة همّ الرحماني وشتان بين الشاغلين! جلس الرجل وقربه صغيره قبالة السيد عبد الرحيم الرحماني الذي عرف سبب مقدمهما بعد ان اوجزه له الشيخ قبل ان يخرج لقضاء امر ما في السوق على امل ان يعود ليجد كتاب القراءة جاهزاً، فالصغير اراده مجلداًَ كونه حريصا على كتبه ودفاتره وعاشقا للدرس وكيف يخفي الصغير الذكي عشقه المفضوح امام رجل امتهن بيع الكتب تجارة وثقافة ايضاً، لقد ظلا ـ الرحماني والصغير ـ “يتحاوران! وكان وقت الحوار القصير كافيا ليكتشف الرجل انه امام موهبة كبيرة قادمة.. او ان الايام ستعرفه بالتحديد باسم “عبد الجبار عبد الله!” وهذا ما كان وكان ايضا ان عاد الاب ليجد ابنه يحتضن قراءته الخلدونية المجلدة بغلاف انيق وبيده قلم حبر فاخر “باندان” هدية من العم عبد الرحيم الرحماني للمحاور الصغير اللبيب..! هكذا اذن غلّف العام1925 الشطر الاول من الحكاية التي ينبغي ان تكتمل بعد سنين او عام1959 وتبدأ من جديد.. يدخل “الشيخ” عبد الرحيم الرحماني ومعه ابنه الطالب خريج الاعدادية والشاعر صاحب اللسان السليط “داود الرحماني” الذي اخذته مشاغل الشعر عن مشاغل العلم قليلاً ووقفت بضع درجات بينه وبين طموحه في دخول كلية الهندسة المعمارية.. دخلا على رئيس جامعة بغداد البروفسور عبد الجبار عبد الله او التلميذ السابق الصغير الذي ظل يقول للسيد عبد الرحيم الرحماني انه يحمل له ديناً في عنقه.. (( أنني بدأت مع قلمك ياعم عبد الرحيم.. هو الذي صنعني!)).. ويتردد السيد عبد الرحيم قبل ان يقول طلبه لرئيس الجامعة، وربما مهابة المقام جعلته يتردد قبل ان يبوح بسره..، بضع درجات يا استاذ عبد الجبار تفصل بين ابني داود ودخوله كلية الهندسة المعمارية وانت رئيس الجامعة والامر بيدك، فانظر ماذا ترى؟!.. صمت رئيس الجامعة لحظات ثم حدق بوجه الرجل، ومارت امام عينيه صورة اليوم الذي اهداه فيه اغلى واجمل شيء، متاعا لرحلته الطويلة مع الدرس والكتاب والكلمة.. القلم.. واستحضر لحظات اللقاء القديم وحكاية “القراءة الخلدونية” وتجليدها الانيق والكلمات الرقيقة التي غرست في قلبه حبا للرجل الذي تنبأ له بان يصبح ذا شأن يوما ما، واستحضر ايضا قدسية العلم وشرف المهنة، وثقل الرسالة التي يحملها على اكتافه رئيسا لاكبر صرح علمي في البلاد، وكذلك استحضر واجبات الضيافة للرجل الذي يحبه او ضيفه في مكتبة وضرورة عودته راضيا منه تماما كرضا والده الشيخ عبد الله حين عاد اليه في المكتبة ليجده محتضناً قراءته وبيده القلم الهدية، وكان عليه ان ينطق اخيرا ليرد الدين.! وضع عبد الجبار عبد الله عينيه بعيني السيد عبد الرحيم الرحماني، وقال باعتداد الكبار، ممن يليق بهم حمل رسالة العلم الثقيلة.. اترضى يا عم عبد الرحيم ان افعلها، انا عبد الجبار عبد الله اسمح لنفسي ان أُدخل طالبا كلية الهندسة المعمارية من دون ان يسمح له معدله بذلك، لا ياعم عبد الرحيم لن يحدث ذلك ولن يكون..!! وساد صمت ثقيل كان خلاله الشاعر صاحب اللسان السليط، يدور بعينيه المندهشتين بين جبل العلم الاشم وبين جبل الابوة الحائر من دون ان ينطق شيئا في حضرة جلالة الموقف.. لقد ردّ عبد الجبار عبد الله الدين على طريقة الكبار الذين اكتسبوا قدسيتهم من تقديسهم العلم والكلمة.. وكانت تلك حكاية يصعب ان تطويها الايام.. ترى كم عبد الجبار عبد الله نحتاج اليوم كي نجعل امورنا بهم تستقيم، بعد ان اتلفت طوارق الحدثان آلاف القراءات الخلدونية وتاه العلم بين الاف الدرجات المجانية في زمننا المجاني هذا؟!.
|