|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها - الرقيب ضمير الكاتب |
||
|
6 تشرين اول 2008 |
|
وضممتها إليّ ليستمر العناق
كتابات - محمد عمر حمزه لي
كانت السيارة تسير بنا بسرعة ونحن متوجهين من البصرة الى كركوك.. كان الحر على أشده ساعة الظهيرة.. أوكأتُ رأسي على مستند الظهر والإعياء يشل جسدي المتنمّل حدّ الإغماء.. كم حاولتُ جاهداً جمع شتات أفكاري التي كانت كإناء بلّور هوتْ على أرضية من مرمر.. هل أعي ما أفعلْ!!؟؟.. هل الطريق الذي أسلكه بين البصرة وكركوك من القُصْرِ أن اقبل بإجازة لثلاثة أيام أقضي يومين منها بالذهاب والإياب وأفوز بيومٍ من الراحة يعادل شهراً قضيته في مجزرة (نهر جاسم) لا بل يضاهي العمر كله في هذه المعادلة.. كان الموت أقربُ إليّ من كل شيء سوى الله الذي ليس كمثله شيء في الأرض ولا في السماء .. أفكر بزملائي وأخوة الزاد الذين كثيراً ما استرقنا دقائق من ساعات النهار الطويلة نأكل كِسرةَ صمّون مع الشاي لنفترق معانقين بعضنا، أو تصل إحدى القذائف التي تُسابق بعضها لتُفرّقنـا إلى حيث لقاء الآخرة. أشلاء الذين كنا نجالسهم قبل أوان نخفق في جمعها داخل كيس صغير بانتظار مصفّحة الإسعاف التي لن تصلنا قبل الظلام.. كثيرة هي الجروح والمآسي التي تُثقل كاهلنا، كانت الهواجس تتخبط في رأسي كتلاطم أمواج بحرٍ هائج. والسيارة تقلّنـا يجرني الإرهاق في غفوةٍ تارةً وتارة تختنق حسرةً في صدري كـآهٍ ينسابُ من الأعماق على ما نحن فيه.. علامَ كل هذا الموت!!؟؟ علامَ كل هذه المصائب والويلات!!؟؟ هل على وجه الأرض من يصدق ما نعيشه!؟ هل الموت واحد أَم في كل ساعةٍ موت، لا بل في كل آنٍ موت، وأكون أكثر صدقاً لو قلتُ كثيرا ما يكون موتاً بين كل موتٍ وموتْ!! هل هذا قدرنا المحتوم!!؟ هل أخذنا الله تعالى بسيئات أعمالنا!!؟ هل أُخِذنا بما فعل السفهاء منا!!؟ أكوام التساؤلات اختلطت في رأسي مع النعاس اللاعب بمداركي جيئةً ورواحا.. طبطبً احد المسافرين على كتفي بأننا قد وصلنا كركوك، ما كدتُ أرفع أجفاني وأنا أنظر في وجهه وكأني لا أصدق ما أسمع.. هل قدّر الله لي رؤية كركوك الحبيبة بعد مضي شهرٍ بطول السنين كان فيه الموت فيه يمضغـنا عشرات المرات في اليوم الواحد دون أن يبلعنـا.. أعاد عليَّ الكلام آخر وثالثٌ أكد الأمر وتمعّن فيَّ مسترثيــاً حالي: ــ والله هذه كركوك.. ألا تعرفها؟؟.. ألَستَ من كركوك؟؟ نراك قد قضيتَ ساعات الطريق بالنوم، إن كنتَ مريضً أوصلتك البيت أينما كان.. في المُصَلّى .. في بكلر، تمالكتُ نفسي أجمع قواي لأنهض.. شكرتهم مؤشراً من زجاج النافذة أن بيتي ها هنا في محلة (حمزه ليلر) بجوار الكراج. أستقويتُ أحمل بعضي مع أول حفنة من هواء كركوك الدّاب بين أضلعي، أجُـرُّ خطواتي باتجاه البيت، ويوماً أعيشه (ملِكاً) بين أهلي وأحبتي بعدهُ ليكن ما يكون. أنتبهتُ لصوت صبي يريد اللحاق بي.. سألني والعبرات تخنقه: ــ إلى أين أنت ذاهب!!؟؟ ــ إلى البيت.. ألَستَ صديق ولدي ...؟؟ شدني منظر عيون الصبي المليئة بالدموع!!.. نظرتُ باتجاه بيتنا فإذا بي لا أرى بيتاً أستَكِنُ في ظله ولا محلتي(حمزه ليلر) مرتع طفولتي ومنشأ شبابي!!.. سقطت الحقيبة من يدي!!.. ــ أين محلتنا.. أين أهلنا.. ماذا حلّ بالناس!!؟؟. هدّأ الصبي من روعي وطمأنني على الأهل وسَكَنِهِمْ في منطقة أخرى وعلمت بعد حين بأننا ونحن نصارع الوهم في مطحنة(نهر جاسم) كانت مكائن(هدّام) الظالم تُسوّي بدورنا وديار أهلنا الأرض يوم 17/6/1987 وتاليات الأيام.. كنا نحن المخلصين لتربتنا نموت في اليوم عدة مرات من أجل أرضٍ وأرضنا يسلبها ظلماً وطغيانـاً ليهبها لمن لا يستحقها وأهلها عليها شهود.. في تلك الساعة الرهيبة من ذلك اليوم العصيب ما فعلتُ ما قاله مَعين بَسيسو: ((هي كلمةٌ لو قُلتها مُت ولو لم تقُلها مُت.. فقُلها ومُتْ)، حبستها في نفسي وأنا أنظر الى دموع الصبي، إنما وفاءاً لكل تلك السنين التي عشتها في محلة (حمزه ليـلر) ولأهلها الطيبين وردّاً على جريمة مسحها من الأرض تشرّفتُ بضم اسمها إلى اسمي ليستمر العناق أبداً.. ألا تبّاً للظالمين.. ألا لعنة الله عليهم يوم طمعوا في أفيائِنا.. اللهُمّ ربي لا ترد منهم ديـــّـارا.
كركوك
|