الصفحة الرئيسية

كلمة كتابات

الكتابات المنشورة  تعبر عن رأي اصحابها - الرقيب ضمير الكاتب

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com <<<  webmaster@kitabat.com

الارشيف

كتب

4  تشرين اول  2008

ابحث في كتابات

 

قليل من الخوف والحيلة، كثير من الخيبة

 

كتابات - عبد الكريم كاظم

 

خمس طرق لقول الحقيقة، التي منها:الحيلة - برتولد بريشت

 

انطباعات عن حال الثقافة العراقية ومشكلة الموقف الأخلاقي ...

الخيبة موجودة، ويبدو أن الكتابات التي تُكتب بين حين وآخر بأن الخيبة وهمية وغير واقعية هو هروب من مواجهة الحقيقة، ويجب أن نميّز هنا جيداً بين الخوف والخيبة . لقد عانى، في عهد ثقافة الخوف، كثير من المثقفين العراقيين من تضييق الخناق عليهم، مع هذا لم يفقدوا القدرة على الاستمرار، لأن السيولة الإبداعية الدافقة جرفت في طريقها الموانع والمعوقات والحواجز كلها وانطلقت من عقالها إلى هدفها دون أن تتجرد من الأخلاق . أما في عهد ثقافة الخيبة فقد عقد المثقف مع المحتل صفقته الأخيرة بعد أن نسف خطه الفكري وقدم التنازل إثر الآخر، وليس هذا الأمر من قبيل الصدفة وإنما ضرورة للخروج من السكوت إلى الفضيحة . بعد أن أدرك العراقي هذه الحقيقة وأدركها قبله المحتل فكان نوع من الحذر والتوجس من الطرفين معاً . هل نسوق هذه الإشارات لنبرر الخوف والصمت والانكفاء والخيبة؟ أعتقد أن المسألة أكثر تعقيداً، ولا أعتقد أن الحديث عن الخيبة يمكن أن يتم خارج هذه الدائرة، والسبب بسيط وواضح، إذ أن من قاد هذه الاتجاهات الثقافية الخائبة هم الصامتون أنفسهم . ربّ قائل إنه لا ينبغي علينا أن نرهن الثقافة بهم، فالحياة لا تتوقف وقد تشهد الثقافة موجة من البدائل فتظهر أسماء جديدة تثري وترفد وتعطي وتردم الفجوة وتُعلن عن وجودها حتى وأن وقعت في شرك التشويهات والاتهامات المألوفة .

الصراعات الثقافية في عراق اليوم تسجّل حضوراً متزايد الوضوح . الصراع الثقافي يدور في الماضي المتمثل (بثقافة الخوف) والحاضر المثقل (بثقافة الخيبة) أما الضغوطات والكوابت وأشكال القمع ،الصريح والمخفي، فإن وجهتها الأساسية معادية للثقافة المغايرة ولتطورها طالما هي تهدف، بالأساس، إلى التحرر من ثقافة التتر . حتى الأشكال المختلفة في الكتابة، الأنواع والتوجّهات وأساليب التعامل مع الجمال والقبح والاحتلال ومع القضايا السياسية الراهنة، يتجّلى فيها الصراع الثقافي . تبدو هذه الصراعات، أحياناً، واضحة ناتئة خلال كتابات نقدية منفردة أو نصوص أدبية متنوعة، ولكن عندما يُتاح للمتتبع أن يكون في واحدٍ من هذه الكتابات يتلمس بوضوح هذه الصراعات سواء في نسيج العمل الفني ـ الأدبي أم في العلاقات والمناقشات التي تجري عادة على هامش الموقف الأخلاقي من الاحتلال .

في الثقافة العراقية الراهنة، هبوط واضح في كمية الخوف وطبيعة الحيلة، وصعود واسع في كمية الخيبة . لقد عاد الدليل إلى قوقعته المظلمة يستعيد ذكرى الوجه الأميركي المحرر ... عاد الدليل محملاً بالخيبة .

الكتابة النقدية المعرفية، في السنوات الأخيرة، صارت نادرة! فهل غياب المعرفة أو الوعي والموقف الأخلاقي هي السبب الأساس في تقلّص حركة الكتابة؟ من السهل أن نقول: "نعم" فغياب المعرفة تمارس قمعها المباشر وغير المباشر على الكتابة والحركة الثقافية عامة الأمر الذي يدفع ببعض (المفكرين) إلى طريق يرون هم أنه مفتوح أمام (الأفكار) التي يريدون إيصالها إلى المتتبع . ولكن، أليس من الضروري أن نرى أنه بجوار هذه الـ "نعم" توجد أيضاً الـ "لا" . ألا يقول لنا تاريخ الثقافة العراقية، أن هذا التاريخ، في جانب أساسي منه، ولعله الجانب الأهم، هو تاريخ صراع هؤلاء المثقفين ضد النظام القمعي الغارب والسائد، وضد ما هو قمعي ومتخلف وإقصائي في الثقافة العراقية نفسها .

في مجال الكتابة، تحديداً، وفي مثل ظروفنا العراقية هذه يجد الكاتب نفسه، إذا أراد الاستمرار في الكتابة رغم كل شيء، سائراً في خط وهمي ما، فالكتابة المغايرة ـ الموقف الأخلاقي، هو أيضاً وأساسا عمل وهمي . على أن للعمل الوهمي طرقاً وأساليب متعدّدة ولا حصر لها منها مثلاً: "الحيلة" .. التحايل على الرقابة وعلى الثقافة السائدة وعلى الدليل والمعنى واللفظ وربما على الذات أيضاً ورائعة جداً عبارة الألماني بريشت في بداية المقال .

في هذا الجو المثقل بالأورام الثقافية السرطانية نشهد بروز ظاهرة تفريخ عدد من الكتابات ـ الكُتاب ذات المنحى الطائفي المذهبي الفاجع والبشع، وهو بشع فكرياً وفنياً على الأخص، ولكن الملفت هنا أن هذه الكتابات ماتت خلال فترة ظهورها واختفى الكُتاب مثلما عاد الإدلاء إلى مناطقهم الأولى، وهذا واقع له دلالته الواضحة .. الخيبة . في ظروفنا الثقافية العراقية تتزايد الخيبة سواء في الصمت أم في المكابرة بمعنى مغالبة اليأس، من المحتل، من جدوى قول الحقيقة المرّة . على أن هذه الخيبات المتكاثرة لا تنسحب على الثقافة العراقية خلال سنوات الاحتلال كلها، كما يقال أحياناً، فالثقافة العراقية خلال هذه السنوات لم تقتصر على ما هو مباشر ودعائي ومؤسساتي ومجيّر إلى الخدمة الدعائية الآنيّة لهذا الحزب أو ذاك المستشار الثقافي أو تلك الصحيفة الرسمية، بل أن هذه السنوات، وما قبلها، حملت أيضاً كتابات نقدية مغايرة مهمة وأعمالاً إبداعية متميزة ولسنا نميل، هنا على الأخص، إلى هوس التنظير بل نكتفي بالإشارة إلى عدد من التجارب الإبداعية لأسماء معينة ومعروفة تعتبر علامات مهمة في خط تطور الثقافة العراقية .

أن هزيمة الثقافة جعلت المثقف يقتحم أبواب الوهم، ويخضع هذا الوهم لإرادته المستلبة أساساً، فكانت تلك بداية لهزيمة ماحقة، وقد تمت هذه الهزيمة على أيدي المثقفين الذين عرفوا الخوف والخيبة والوهم .

وحين وقعت الهزيمة، أُصيب الجميع بهزة عميقة استدعت إعادة النظر في مجمل المواقف والظروف والمعاني التي أدت إلى الهزيمة . وبدأت الحياة ـ في العراق ـ تطرح على المثقف أسئلة خطيرة وحاسمة، وكان لا بدّ للثقافة والمعرفة أن يشاركا في طرح الأسئلة وفي الإجابة عليها، ولأن الاحتلال أكثر المصائب احتكاكاً بالناس وملامسة لحياتهم اليومية وطموحاتهم المستقبلية، فلم يعد للمثقف تلك القدرة للتهرب من مواجهة ما جرى، ولم يعد باستطاعته تقديم المبررات لتجميل الغزو الأميركي أو الثقافي الجديد .

أن ما أخشاه هو أن يكون مصيرنا الثقافي ـ الإنساني في ظل هذه الظروف هو مصير حمار "بورودين" في الفلسفة اليونانية الذي وجد نفسه في موقف وسطي، في وسط الدائرة، وعلى محيطها أكياس من الشعير، فرفض أن يأكل من واحد من هذه الأكياس لأنه لا يجد مبرراً واحداً لتفضيل كيس على آخر، إذ أنها جميعاً تبعد عنه نفس المسافة .. وهكذا مات حمار بورودين .