الصفحة الرئيسية

كلمة كتابات

الكتابات المنشورة  تعبر عن رأي اصحابها - الرقيب ضمير الكاتب

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com <<<  webmaster@kitabat.com

الارشيف

كتب

4  تشرين اول  2008

ابحث في كتابات

 

رمضان ومسلسل الخليفة ابو جعفر المنصور نصائح مهمة لمن يريد ان يحكم وطن

 

كتابات - د.عبد الجبار العبيدي

 

ترك لنا شهر رمضان المبارك آلتزام العبادة الالهية و فوائد الصيام الصحية ،والعبادة اليومية ليذكرنا بالمحاسن والمساوىء الدنيوية.و ترك فينا عضات وعبر استقتها المسلسلات التلفزيونية من بطون  الاحداث التاريخية وأضافت وحذفت منها الكثير،شأنها شأن الاعلام العربي المسير،وسبرت اغوارها   في النفس لاصلاح ما فات الانسان المسلم من تقصيرفي حياته المهدورة، لعلها تساهم في اصلاح ما افسده الدهر فينا،بعضها نجح وبعضها فشل، والبعض الاخر تسلى بها المشاهد  وقت الضجر والجوع والعطش قبل الافطار ، ونسي كل ما شاهده من احداث المسلسل بعدذلك وكأن شيئا لم يحدث.

 

لا احد يشك ان ابو عصام كان بارعا لحد الاعجاب في تمثيل دور الخليفة المنصور وحرصه على الدولة وبيت المال من جهة، والتزامه بالقيم السماوية في زوجة واحدة من جهة اخرى، ليكون مثلا اعلى للمسلم في احترام النص الديني والمرأة الانسان معا.

كان يستشيرها في كل صغيرة وكبيرة ،هي آروى بنت منصور الحميري من سبأ تلك المرأة البارعة الجمال والثقافة وقد تزوجها بالقيروان في عهد بني امية. وتكنى بأم  جعفر الذي مات قبل  ابيه وام الخليفة المهدي الذي ورث الخلافة بعد ابيه.  وترك لنا هذا الممثل البطل البارع والمخرج  كل ما امكنهم تقديمه من  صور المحاسن والمساوىء في حكم هذا الرجل، وكيف كان يحكم  ينظرية التفويض الالهي العباسي مدعيا خلافة حكم الامة  بدعوى النص المكتوب من الرسول في وراثة بني هاشم بعد خطبة غدير خم كما جاء في المصادر التاريخية  الشيعية الثبت.

 

صحيح ان المسلسل اعطانا الكثير مما كنا نتوقعه منه من حيث المقدمات والنتائج ،لكنه كان من حيث النتيجةالنهائية كالمسلسلات الاخرى التي تنتهي بلا نتيجة  يستفاد منها المشاهد ليضيفها الى فكره في تفسير الحدث التاريخي الخاطىءالذي لازال منهجنا الدراسي متمسك به دون تغيير،معتمدا على ما نقله الرواة دون تدقيق. لذا فان عقلية الاعتقاد الديني لدينا ستبقى كما هي دون تغيير،وتلك مآساتنا الابدية.

ان من اهم ما جاء به المسلسل كما اعتقد هي الوصية السياسية العميقة التي تركها المنصور لابنه المهدي والتي تصلح لان تكون وثيقة تاريخية مقروءة من قبل من يريد ان يحكم وطن.لذا علينا ان نركز في ملاحظتين قبل نشر نص الوثيقة، هما:

الاولى :عقلية العباسيين السياسية في حكم الدولة،

والثانية: ما خلفه الارث الشيعي  من معتقد  باحقية اهل البيت  في وراثة حكم الامة الاسلامية.

 

واليوم سنحاول قدر الامكان تغطية الجزء الاول ونترك الجزء الثاني ليوم اخرفنقول:جاء العباسيون الى حكم الدولة بالخديعة الكبرى  التي ابتدعوها باسم الصحيفة الصفراء التي تحوي علم الغيب والتي بموجبها تم انتقال الدعوة من العلويين اليهم بعد وفاة أبي هاشم في الحميمة ومبايعته الوهمية لهم،لذا اضفوا الشرعية لدولتهم الفاقدة لها منذ الاساس،لان العلويين يعتقدون ان وراثة الامام علي(ع) محصورة في نسلهم من زوجه فاطمة الزهراء(ع).من هذا المنطلق فقد عد الشيعة العلوية كل من يخرج على هذه المفاهيم خارجا على المصادر الشرعية  للتوجيه والارشاد الديني. لقد تجاهل المسلسل هذه الحقائق على المشاهد حين خلط بين العباسيين والعلويين تحت شعار الرضا من آل محمد  في قيادة الجماعة الاسلامية. فأنتزوا على حكم الدولة الاسلامية خلافا للشرع والقانون وكا ن اولهم ابو العباس السفاح الذي نحر الرقاب من اجل سلطة الدولة لياتي بعده اخيه المنصور الذي يعده المؤرخون المؤسس الحقيقي للدولة العباسية ،وباني مجدها،ومشيد عظمتها،ومثبت اركانها،فكان سياسيا من الطراز الاول ،وذا بصيرة نافذة وعقلية ناضجة،ورأي سديد. 

 

وقد تمكن من قيادة الدولة قيادة حكيمةبفضل شخصيته الحكيمة،وبذلك اصل قواعد حكمها، لكنه نسي ان دولته مثل سابقتها الاموية بنيت على غير ما يرتضيه الشرع في حكم دولة الاسلام ،حين تخلوا عن دستور المدينة وتحديد سلطة الدولة وحقوق الناس فعاشت تواجه مشكلة لا تعرف لها حلا،لم تواجهها دولة  ملكية مثلها من قبل ،وهي حاجتها الى التعايش مع دستور شريعي لا يعترف بشرعية الدولة العباسية ،حين بقي الخلبفة المنصور ومن جاء من بعده يحكم بموجب حق الوراثة المستمدة من الله ,والقرآن يقول ان الشورى هي دستور الحكم في الاسلام وظل الخليفة بيده المال يوزعه كما يشاء والقران يقول :"ان الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب اليم ".وظلت المعرفة ورجال الدين بيد الخليفة يحتكرهم لصالحه لا لصالح الامة والقرآن لا يعترف بهم وظلت ميزانية الدولة بيده والقرآن يسمي الميزانية بيت مال الله .

 

واستمر مسلسل الاخطاء يرافق الخليفة والدولة معا معتقدا ان القوة والسيف هما اصل البقاء.،ولقد اثبت التاريخ ان القوة التي لا تستند على حق ،كانت الى زوال،انها  فكرة مميته ،لكن العباسيين-من دون شرع الجماعة- لم يكونوا سوى اعراب أميين  لا يحسنون قراءة التاريخ،فوقعوا في فخ الخطأ القاتل الذي لا يرحم.لكن المسلسل لم يبين لنا ان الفتوح قد توقفت في عهدهم وما لاحظناه من حملات طبرستان وغيرها ما هي الا حملات لاطفاء انتفاضات كانت تقوم ضد حكمهم القاسي ليس الا، فقد احتلت هذه البلدان منذ عهد الامويين. ولم يعطينا المسلسل شيئا عن شرعية الفتوح وتطبيق الجزية وجلب الاماء الذي انتشر في عهد العباسيين وتلك منقصة كبرى من المؤلف والمخرج.

 

هذا الذي كان على الكاتب والمخرج ان يبينه ويفعله ولم يكن من العسير العثور على نصوصه من مصادرها التاريخية ،فظل المسلسل يراوح مكانه دون نتيجة تذكر تضاف الى فكر المشاهد بعد ان عالجت المسلسلات الاخرى قضايا الزواج والحب بكل تفاصيلها ومجرياتها ونتائجها كما في مسلسل بعد الفراق الناجح. لم يظهر المسلسل ان الخلاقة كانت تعيش في اوهام العيش الرغيد وبلا تفكير ،وليس في الدنيا اخطر من العيش بدون تفكير،ولم يظهر المسلسل ان الدولة ظلت مشغولة بالحروب والفتن ونست البناء والتعمير، الا ما كان لهم في بغداد المدورة والمتوكلية المربعة وغيرها،فظلت الدولة من حيث الواقع تعيش همجا بلا علم ولا رعاية، وكل ما قرأناه عنها كان محض افتراء من مؤرخي سلطة الخلافة عن علومهم الدينية التي ملؤا بها الافاق وانتجوا لنا فيما بعد مذاهب اسلامية متعارضة ما انزل الله بها من سلطان. كان على الكاتب والمخرج ان ينبه المشاهد الى ضرورة البحث عن حقائق الامورفيما يخص شرعية الفتوح والجزية والعبودية التي كانت منتشرة في دولته ،وكان هذا واضحا من خلال اوامر المنصور لمستشاره الربيع وضرورة تنفيذها بلا نقاش او رأي اخر يذكر.فهل سنشاهد مسلسلات تاريخية جديدة مستقبلا تنفع وتفيد أم سنبقى نجتر الذكريات بلا امل يرتجى.

 

ان الوصية السياسية التي كتبها المنصور بعد ان ادرك الموت تعد بحق هي حصاد خبرة هذا الرجل في الحكم والسياسة ،تلك الخبرة التي ارادها لابنه على شكل عبارات  سريعة متلاحقة اشبه ما تكون بالقوانين التي لا يراد لها ان تخرق.وهي واجبة القراءة والتطبيق لمن اراد ان يحكم وطن،تقول الوثيقة:

 "يا ابا غبدالله استدم النعمة بالشكر،والمعذرة بالعفو،والطاعة بالتآلف ،والنصر بالتواضع،ولا تبرم أمرا حتى تفكر فيه،فلا يصلح السلطان الابالتقوى،ولا تعمر البلاد بمثل العدل،ولا تجلس مجلسا الا ومعك من اهل العلم من يحدثك. وأياك والدم الحرام ،فأنه حوَب عند الله عظيم،ولا تعتدي فأن الله لا يحب المعتدين، والسلطان يا بني هو حبل الله المتين،وعروته الوثقى ودين الله القيم ـفأحفظه وحصنه وذب عنه،وأوقع بالملحدين والمارقين ،وأحكم بالعدل ولا تشطط،وافتح عملك بصلة الرحم ،واياك والأثًرةُ،ولا تبذر أموال الرعية ،ودعها في بيت مال المسلمين،ووسع المعاش على الناس وسكن العامة ،واصرف المكاره عنهم  واياك والتبذير،فأن أباك قد ترك لك من الاموال ما ان كسر عليك الخراج عشر سنين تكفيك مؤنة الناس والدولة،فعش عزيزا مادام بيت مالك عامرأ ،فأن النوائب غير مأمونة ،والحوادث غير مضمونة،وأياك وتأخير عمل اليوم الى الغد فتدارك عليك الامور،واعدل جهد ما استطعت،ولا تنم ،فأن أباك لم ينم منذ ان ولي الخلافة ،ولا دخل عينه غمض الا وقلبه مستيقظ .

 

هذا احسن ما جاء في المسلسل الذي نرجو له ان يكون احسن واشمل واوضح مستقبلا،فهل يقرأ حكام الاوطان حصاد خبرة القادة الرجال ليتعلموا الدرس،فلا يفرطوا في مالهم ولا برجالهم ولا بوطنهم فالدنيا غير مأمونة لا ينفع فيها الا الاقربون،فلا تدعوا مهجَراً واحدا ولا معوزا واحدا ولا خائفاً واحد الا وأحتضنتموه،ولا تنازعوا بينكم فتفشل ريحكم ،ولا تكنزوا مالا لانفسكم ،فرأس مالكم هو رضا الله والشعب،فلا الخزائن ولا القصورولا حراسه الكثُر نفعته حين سقط من على صهوة جواده المطهم واحتضنه الربيع سوى نظرة واحدة ودع فيها الدنيا وجال في خاطره كل ما عمل من احسان واساءة وودع الدنبا كظيما لا يلوي على شيء ،يومها ستنامون بلا حراس ولا من هم يحرسون ،ام ستبقون لا هم لكم الا الدنيا واستدامة الحكم والمنصب؟

 

حصاد رمضان كان دينا وعقيدة ،علما وتاريخا، كلها نصائح صبت بعقل مشاهديها فمنهم من انتفع ومنهم من أنكفأ ،وهكذا الدنيا لايفوز بها الا اولوا الالباب  حتى يلقي احدهم  السمع وهو شهيد.

 

jabbarmansi@yahoo.com