مع كتابات.. أمبارك القليعي: الانفتاح في مصر بداية تدهور الثقافة

الجمعة 01 أيلول/سبتمبر 2017
عدد القراءات: التعليقات
حفظ طباعة

حاورته: سماح عادل

“أمبارك إبراهيم القليعي” شاعر مصري من قنا، يتميز بلغة شعرية رصينة، صدر له ديوان “لهيب يلتهم الغيم” عن وزارة الثقافة المصرية ولاقى احتفاء في الوسط الثقافي، إليكم الحوار:

“كتابات” كيف تشكلت لديك رغبة الكتابة ولما خرجت في صورة شعر؟
* رغم أن أبي رحمه الله كان أميا لا يجيد القراءة ولا الكتابة إلا أنه أصر علي تعليمي، فألحقني بالكتاب وأنا في سن الثلاث سنوات تقريبا فحفظت شيئا من القرآن الكريم، وفيه أيضا تعلمت الكتابة وظلت القراءة هي هاجسي الأول منذ ذلك الحين، وعندما كبرت وصرت في الصف الثالث الإعدادي كان لدينا مدرسا للغة العربية صاحب قدرات هائلة علي قراءة الشعر وشرحه بطريقة جعلتني أحب الشعر، وإذ به في يوم وهو يشرح بعض أبيات من شعر أحمد شوقي، رحمه الله، فقال من يستطيع منكم أن يأتي بمثله؟
فقلت له في نبرة المتحدي أنا يا أستاذ قال لأن فعلت لأجعلنك تقول الشعر في الإذاعة المدرسية، ومن هنا كان عشقي للشعر ينمو كل لحظة متفوقا علي كافة الأجناس الأدبية الأخرى.

“كتابات” لغتك الشعرية مميزة ورصينة ما هي الروافد التي دعمت لغتك؟
* اكتسبت لغتي من خلال حفظي لبعض أجزاء من القرآن الكريم من خلال تعلمي في الكتاب، حيث تعلمت النطق الصحيح إلي حد ما حيث مخارج الحروف، كما أن قراءة القرآن بأحكامه المتعارف عليها تساعد كثيرا علي استقامة اللسان.
كما أن عشقي للشعر دفعني إلي الاهتمام بالنصوص الشعرية التي كانت تعطي لنا عبر الكتاب المدرسي في ذلك الوقت، القراءة لأحمد شوقي، ولحافظ إبراهيم، وللفرزدق، ولجرير، وللأخطل، ولعنترة العبسي، ولحسان ابن ثابت الملقب بشاعر الرسول، وللمتنبي، ولأبي تمام، ولقيس، وللخنساء، ولدريد ابن الصمة، وللنابغة الذبياني، ثم تطورت بعد ذلك قراءتي فصرت أنهل من أي كتاب يقع تحت يدي، فقرأت في علم اللغة وعلم الفقه وعلم الاجتماع وغيرها من العلوم الإنسانية، وتعد كل هذه القراءات روافد طبيعية لأي إنسان يريد أن يكون مبدعا ذات يوم.

“كتابات” في ديوانك “لهيب يلتهم الغيم” كتبت قصائده ما بين شعر التفعيلة وقصيدة النثر فلما لم تركز علي شكل واحد ؟
* ديوان “لهيب يلتهم الغيم” هو ديواني الأول والذي ضم باكورة أعمالي آنذاك، فأنا مثلي مثل أي شاعر تربي علي ذائقة شعرية متعارف عليها ألا وهي القصيدة الكلاسيكية، وهذه تفرض نمطا كتابيا محددا، فلابد من دراسة البحور الشعرية أو ما يسمي بعروض الشعر، وهذا يتطلب جهدا عظيما ثم اتجهت إلي كتابة القصيدة التفعيلية بعد أن قرأت لبدر شاكر السياب، ولعبد الوهاب البياتي، ولصلاح عبد الصبور، ثم لأمل دنقل ولكثير من شعراء الستينات، لكن عندما بدأت أقرأ للشاعر حلمي سالم ومحمد عفيفي مطر ولأمجد ريان، ومحمد عيد إبراهيم، ولمحمد سليمان، ولسيد عبد العاطي، ولعطية حسن، ولمحمد الماغوط، ولمحمد بنيس، ولأدونيس وغيرهم مما أحدثوا لدي تغييرا كبيرا في مفاهيمي للشعر، فاتجهت لكتابة القصيدة النثرية التي أتاحت لي قدرة علي التعبير والغوص في بحار التأمل والخيال، لذا فديواني “لهيب يلتهم الغيم” هو طرح لمراحل كتابية لي.

“كتابات” في بعض قصائد الديوان كتبت عن المرأة الحلم فهل المرأة ملهمة للشاعر؟
* المرأة هي كل شيء، فهي إذا ما أحبت اتسع قلبها ليكون أكبر من الكون، لكنه لا يساع إلا حبيبها، وإذا ما كرهت تكون الشر الذي يجب الحذر منه لأنها تكون في هذه اللحظة (الهلاك)، المرأة هي الحياة ذاتها وهي الموت أيضا لذا فهي تجمع مابين المتناقضات، والقصيدة تكون كذلك، يظن أو يعتقد الكثيرون أن حواء قد خلقت من أجل آدم لكنني اعتقد أن آدم قد خلق من أجل حواء، المرأة هي من ألهمت عنترة وقيس وجميع من كتب الشعر سواء من الرجال أو النساء علي حد سواء، نعم المرأة ملهمة الشاعر.

“كتابات” في رأيك هل كتاب الأقاليم يواجهون صعوبات أكثر؟
* الجميع الآن يواجهون الكثير من الصعوبات، لكن كتاب الأقاليم يواجهون ما هو أصعب، حيث أننا نعيش المركزية في كل شيء، المستشفيات الأكثر تطوراً نجدها في العاصمة، المصانع الكبيرة في العاصمة، مراكز الأدوية كما أن جميع الوزارات أيضا تتركز جميعا في العاصمة، لذا فالمركزية نعيشها بكل تجلياتها، لهذا لا نجد مثلا مقرات لجرائد في الأقاليم، أو لمكتبات كبري، أو لمجلات، أو لدور نشر، أو لقنوات تليفزيونية أو إذاعية، وإن وجدت جوبهت بانعدام شديد في التمويل، مما يجعلها مشلولة تماما،
وهذه هي وسائل الانتشار الهامة بالنسبة للشاعر والمبدع بشكل عام في الأقاليم، فكيف المبدع في الأقاليم لا يشعر بصعوبة.

“كتابات” ما رأيك في حال الثقافة في مصر؟
*إنه سؤال موجع حقا ومربك للغاية، الثقافة هي المقياس الحقيقي لتطور الأمة ونهوضها، الثقافة تعني الوعي الجمعي للشعوب، تعني خلق حضارات، إنني علي يقين أن أمة لا تقرأ لن تنهض مطلقا، لأن أرادت الشعوب العربية أن تنهض فلتقرأ أولا، إنه لمن المحزن جدا أن أهم شاعر في مصر وربما في الوطن العربي لا يستطيع أن يطبع من كتابه أكثر من بضع مئات من النسخ وإلا بارت بضاعته.
المبدع في وطننا يدفع لدار النشر من أجل طبع وتسويق كتابه، هذا لكتب الأدب والتي هي أكثر مبيعا، الطامة الكبرى في الكتب العلمية والتنظيرية
فلا يقرؤها غير القليل من المهتمين بها، الثقافة في مصر يعبر عنها الشارع المصري ذاته بكل ما آل إليه من تردي ونفوق أخلاق وقيم، الثقافة في مصر ميتة وهي علي وشك أن تُقبر.

“كتابات” هل استطاعت قصيدة النثر أن ترسخ مكانتها في الشعر العربي ولما؟
* القصيدة النثرية الآن أصبحت لها مكانتها في الشعر العربي المعاصر، رغم أن مصطلح قصيدة النثر عليه إشكالات كثيرة، فقد اختلف عليه الكثير من النقاد ومنظري قصيدة النثر ذاتها.
إلا أنني أري أن قصيدة النثر استطاعت أن تخلق لها ذائقة جديدة في بنيان الشعر العربي، وبدأت بالفعل أن ترسخ لها مكانة حقيقة من خلال كتابها، وهاهو أصبح لها مؤتمراً خاصا بها، وأيضا لا يجد كتابها أي نفور من نشرها عبر المجلات الثقافية المختلفة، والتي كانت من قبل ترفض نشرها.

“كتابات” هل الشعر مهمل مقارنة بالرواية؟
* لا اعتقد مطلقا ًأن الشعر مهمل أو أن الرواية قد اختطفت المتلقي من الشعر، هذا كلام غير منطقي بالمرة، فلم يزل متلقي الشعر باق علي حاله ومتلقي الرواية أيضا وكذلك القصة القصيرة.
لكن كما قلت أن قصيدة النثر غيرت من الذائقة العربية في عملية التلقي للشعر، فلم تعد القصيدة التي تلقي بقدر ما هي القصيدة التي تقرأ، نظرا لتغير الموسيقي من البحور الشعرية الخليلية إلي الموسيقي الداخلية، فلم تعد القصيدة الآن هي التي تعتمد علي الطرب، لهذا فإن جمهور الشعر أيضا قد تغيرت ذائقته من الموسيقي الراقصة، ليبحث عن موسيقي شعر جديدة تكمن أساسا في قصيدة النثر، لم يطغ جنس أدبي علي آخر.

“كتابات” هل الجوائز التي ترصد للرواية هي ما أثرت علي تناول الشعر والاحتفاء به؟
* لا الرواية ولا الجوائز هي ما أثرت علي تناول الشعر بالنسبة للمواطن العربي، لكن هناك عوامل كثيرة أخري منها عوامل سياسية واقتصادية وتحولات مجتمعية أثرت علي تناول الإبداع بشكل عام، منها الشعر، والرواية، والقصة القصيرة، وحتي الموسيقي والغناء، وحتي المسرح والسينما، وغيرها من الأنماط الفنية المختلفة.
منذ أن حدث الانفتاح الاقتصادي في مصر حدث تحولا حقيقيا في المفاهيم لدي المجتمع، مما أثر بالضرورة علي الذائقة لدي الفرد، فلقد أصبح الفكر ماديا أكثر فأصبح الحصول علي المال أكثر من الحصول علي الكتب.

من أشعاره..
قصيدة امرأة

تصعد من أقصي الأعماق في
من المركز المجهول في جسدي
؛؛أكتابيوباث؛؛

أقامت متاريسها ضد روحي
وألقتني في غياباتها
كي أمارس فيها انهيار عالمي المخصوص
ثم غفوت فوق أسرة جمرها المسنون
وتساءلت
إلي متى سأظل صاعداً نحو اندلاقي
مأخوذاً بعبثية كونها المثقوب
***
هي الآن تضج بانفلات الدجى
وتغرس في دمي حمي نوافذه
هي امرأة
تزوجها الشعراء
وأقاموا لها طقوس مأدبة في الفضاء
***
الآن
أنزف طاقتي فيها
وأجلسها علي حجر السماء عروسا
تزفها النجوم
وعند مطلع الفجر
أمزقها
ثم ألقيها للبحار الجائعة
***
أيتها المرأة
كيف أقرأ أحرفاً شعوذتها يداك ِ؟
وكيف أفتح مزاليج غموضك ؟
وأنا مجذوب كالفراشة نحو ضوئك
أيتها المرأة
كيف أغلق عيني كي أتأملك من الداخل ؟
وأنت التي تخرجين من دمي غيمةً
وترشين بهاءك علي البيوت
لماذا تغرقين سماوات قلبي
لتقيمي لكِ منزلاً في وريدي
أيتها المرأة
لم يعد لي من الغاوين غير دمي
وأغنية
مشنوقة
تتدلي من الكواكب التي أفلت
ثقلت موازينك
ولم يعد لك غير الجحيم.



الكلمات المفتاحية
شعر

الانتقال السريع

النشرة البريدية

تعليقات فيس بوك

تنويه لابد منه: ايماناً منا بحق القارئ فى التعليق على الاخبار و المشاركة الفعالة بعرض وجهات النظر المختلفة، فقد اضفنا خدمة التعليقات بواسطة حسابك على الفيسبوك.

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأى ادارة الموقع و يتحمل كتاب التعليقات المسئولية الاخلاقية عن محتوى تعليقاتهم.