“خناتة بنونة” .. حينما تُغرق الروائية في مغربيتها وتؤمن بقضايا عالمها العربي والإسلامي !

الأحد 10 أيلول/سبتمبر 2017
عدد القراءات: التعليقات
حفظ طباعة

خاص : كتبت – سماح عادل :

“خناتة بنونة” قاصة وكاتبة مغربية.. ولدت في 24 أيلول/سبتمبر عام 1940 بـ”فاس”، وهي ابنة لأسرة عريقة في النضال والوطنية، والدتها المرأة الوحيدة في المغرب التي تنازلت عن أراضيها لجيش التحرير.

حياتها..

رفضت “خناتة بنونة” أن تزوج وهي طفلة، وصفها والدها الروحي، كما تسميه، المناضل المغربي الشهير “علال الفاسي” بقوله: “لقد سبقت زمانك بمئة سنة”، وكانت تقول له: “لو كان الجدار هو المستحيل نفسه لظللت أضرب برأسي عليه حتى أموت أو أفتح فيه كوة تصنع منها الأجيال الآتية باباً للمستقبل، لأكون جديرة بأبوتك”, ولقد حماها من الزواج المبكر ودعمها.

عملت بالتدريس, ثم عينت في 1968 مديرة بالتعليم الثانوي بالدار البيضاء، وأصدرت أول مجلة ثقافية نسائية بالمغرب كان اسمها (شروق).

الكتابة..

أصدرت “خناتة بنونة” أول مجموعة قصصية لها بعنوان: (ليسقط الصمت) في1967, وكانت أول مجموعة قصصية نسائية بالمغرب، ليأتي عام 1969 وتصدر رواية (النار والاختيار).. وكانت أول رواية نسائية بالمغرب، ولقد فازت بالجائزة الأدبية الأولى بالمغرب بأقلام الرجال أو النساء، وقدمت “خناتة بنونة” هذه الرواية هدية لمنظمة التحرير الفلسطينية “فتح” تدعيماً منها للنضال الفلسطيني.. كما قررت وزارة التربية الوطنية بالمغرب تدريس روايتها (النار والاختيار) بجميع ثانويات المغرب لمدة سنوات، ولقد دُرست هذه الرواية عدة أطروحات “دكتوراه” في الجامعات العربية.

وخلال 1975 أصدرت المجموعة قصصية (الصورة والصوت)، وفي 1979 أصدرت مجموعة قصصية أخرى بعنوان (العاصفة)، وأنتجت (الغد والغضب) في عام 1984 وهي رواية طبعت مرات عدة في المغرب, والعراق 6 مرات بالإضافة لليبيا.

وفي 1987 أصدرت كتاب (الصمت الناطق)، وفي  2006 (الحب الرسمي).

مساندة القضايا الإنسانية..

كانت “خناتة بنونة” كاتبة فاعلة.. فهي لم تكتف فقط بالكتابة الأدبية وإنما كتبت المقالات، وكان لها مواقف واضحة ليس فقط في بلدها المغرب وإنما تجاه النضال الفلسطيني، كما دعمت قضايا عدد من الشعوب المظلومة في العالم الإسلامي، من البوسنة والشيشان إلى أفغانستان إلى اللاجئين الصوماليين.

وحينما حصلت على “جائزة القدس”، التي يمنحها الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب، والتي تسلمتها بـ”مسقط” عاصمة سلطنة عمان 2013, قررت التبرع بمبلغ الجائزة لوكالة “بيت مال القدس”، محبة منها ووفاءً لدولة فلسطين، ودعماً للقضية الفلسطينية.

تقول “خناتة بنونة” في حوار معها لصحيفة “التجديد” المغربية, عن فوزها بجائزة “القدس”: “هي تتويج لمساري الإبداعي والنضالي والإنساني الذي يمتد لأكثر من 40 سنة، وهو في عمقه يشكل عمري الزمني والإبداعي.. أنا التي لم تعرف طفولة ولا مراهقة ولا شباباً ولا كهولة فكأنما خلقت من أجل هذا المسار. فالجائزة بالنسبة لي أكبر من أية جائزة أخرى ويكفيني منها أنها جائزة (القدس)، لذلك فأنا أضعها تاجاً على رأسي امتناناً واعترافاً”.

وعن تقديم رواية (النار والاختيار) هدية لمنظمة التحرير الفلسطينية، والتبرع بممتلكاتها لمؤسسة “علال الفاسي” وللخزانة العامة بالرباط، وسبب هذا التوجه الإنساني ومنبعه, تقول: “من إيماني أولاً بأن الفكر يجب أن يسير في تكامل مع العمل، ومن افتراض أن الوعي المشكل لمنطلق أي كاتب يفرض عليه استشراف واستقراء الزمن، ماضيه ومستقبله، واستقراء اللحظة وخفاياها وأبعادها من أجل بناء الإنسان والواقع، كما أن الممارسة الفعلية من أسرتي، قد فتحت عيني على أم تبرعت هي وأخواها بأراضيهم كلها لجيش التحرير، أما والدي فكان يعتبر في مدينة “فاس”، أباً للمساكين وقد ورثنا منهما هذا، أنا وإخوتي رحمهم الله الذين كانوا يفوقونني في هذا  الميدان”.

وعن أعمالها الإبداعية التي تفاعلت مع القضية الفلسطينية، وتشكل وعيها, تقول “خناتة بنونة”: “مشاهدة معاناة الفلسطينيين التي حركت كياني تجاه هذه القضية، في أعقاب رحلة الحج التي كان قد أخذني إليها والدي قبل أحداث 1967 بقليل، وبالمناسبة زرنا القدس الشريف، ومدنا أخرى، وهناك رأيت كيف أن الإنسان الفلسطيني مشتت في خيام ممزقة تعبث بها الرمال، هذه الأحداث رسخت لدي قناعة بأن هناك محاولة لإبادة شعب بأكمله، وإبادة تاريخ وحضارة وهوية، وعلى خلفية مشاهداتي ومعايشتي لهذا الواقع ببيت “صفافة” التي أبيدت في حرب 67، كتبت أول مجموعة قصصية لي بعنوان (ليسقط الصمت).

جدوى الكتابة..

عن اعتزال الكتابة تقول الروائية المغربية: “ليس هناك من اعتزال أو توقف، إنني عبارة عن قلم يكتب وذات تكتب باستمرار، وقد تأتي لحظات يهتز فيها الاهتمام بهذا الحقل نظراً لظروف قد تكون أكبر وأفظع، إذا كانت الزوابع والعواصف والزلازل تحدث تغييرات في الجغرافية، فما الذي يحدث هذه التغييرات في التاريخ ؟.. هي بلا شك الأحداث السياسية الكبرى، وهكذا تمر مراحل بالإنسان الكاتب لا أقول سلباً ولا إيجاباً ولكن أقول تفاعلاً يأخذ أحياناً أشكالاً مختلفة وهكذا”.

عن الهدف من الكتابة, تقول: “أنا أنتمي للكتابة من أجل تبرير الوجود على الصعيد الذاتي، والمساهمة في تغيير الواقع على المستوى الموضوعي، وأذكر أن الروائي العراقي “عبد الرحمن مجيد الربيعي”، في دراسة له عن أعمالي, قال: أن كتاباتي مغايرة عن كتابات جل النساء الكاتبات العربيات، لأنها متحررة من الجسد ومن الأنوثة، وأضاف: “لأن قلمها ينغمس في القضايا المصيرية والساخنة والخطيرة”, وكذلك كان الأمر منذ أن حملت القلم”.. هي الكتابة إذاً “قوة ناعمة” تفعل فعلها طال الزمن أو قصر، كما قيل وكتب عن روايتي “الغد والغضب”، وجل كتاباتي أنها ترهص بكل ما هو مستقبلي فكراً وعملاً، لأن المفروض في الكاتب أن يعكس ويحمل هموم وأحلام ومتطلبات اللحظة التاريخية.

الربيع العربي والإبادة..

عن الأحداث الجارية في الدول العربية فيم يعرف بـ”الربيع العربي”, تقول “خناتة بنونة”: “ما يقع بمصر تحديداً وسوريا وغيرهما من الدول، هو مخطط صهيوني يأخذ أشكالاً متعددة، فبالأمس كانت جيوشهم تغزونا وأسلحتهم تقاتلنا، أما الآن فلا ضرورة لذلك لأنه صار البعض منا يقاتل البعض الآخر، هم يحركوننا كـ”الكراكيز” من أجل نسف هذه الأمة التي ستظل صامدة، ومؤمنة بالحياة، لسنا بهنود حمر فما أن نحرق حتى نقوم من رمادنا من جديد، لأن لنا من الحمولة التاريخية والعراقة والأصالة والحضارة ما يحفظ وجودنا على الرغم من كل ذلك”.

وعن قراءتها للمشهد السياسي بالمغرب, تؤكد: “أنا متفائلة ومتشائمة، لأن هناك إرادة عليا للإصلاح وإرادة شعبية للتغيير، لأن الوطن ومستقبله يجب أن يكون فوق الجميع: فوق الأحزاب، فوق الكراسي، فوق تجار الديمقراطيات، فوق كل شيء”.

التغييرات في المغرب..

في حوار في صحيفة “الشرق الأوسط”، تعبر عن التغييرات التي شهدها المغرب مع حكوماته المتتالية, تقول “خناتة بنونة”: “حقيقة هناك خيبة كبيرة، فلا حكومة التناوب ولا هذه الحكومة فعلت شيئاً، وعلى العموم فمنذ عصر النهضة كانت هناك عدة محاولات للوقوف ولكنها كانت تجهض في المهد، هل من أجل البترول أم من أجل الدين لا أدري، وقد قلت للإخوان بالكويت في زيارة أخيرة أن البترول ليس إلا لأميركا وإسرائيل، لأن الأمة العربية كانت قبل البترول جائعة أمية وما زالت بعد البترول كذلك، مع ذلك فهذا يعطيني صورة أخرى وهي أن هذه الأمة العربية الإسلامية لها من القوة والعراقة ومن الأصالة والحضارة, ما يجعلها لم تنقرض إلى الآن على الرغم مما تعرضت له من دمار وحروب وإبادة”.

نقد الذكور..

عن نقد مجموعتها القصصية الأولى (ليسقط الصمت) من قبل كتاب, أمثال: “محمد زفزاف” و”إبراهيم الخطيب” و”إدريس الخوري”، حيث اعتبروها قصائد نثرية أكثر منها قصص, تقول الروائية المغربية: “الكثيرون رحبوا بمجموعتي القصصية الأولى، لدرجة أن هناك من حفظها عن ظهر قلب، ولكن هناك قلة قليلة من الذين قالوا أن أسلوبها شاعري بدرجة كبيرة، والآن هم يبحثون عن هذا الأسلوب الشاعري، ولا أظن أنهم قد وجدوه، ولهذا فأنا كنت أقول دائماً للناقد المغربي “محمد برادة” أنه “عراب المافيا الثقافية بالمغرب”، لأنه كلما ظهرت موضة في الغرب إلا ويجب أن يلبسها للأدب المغربي، ويشهد النص قبل أن يشهد أحد أن كتاباتي تحمل قضية من أول قصة في أول مجموعة، وحينما كانت المرحلة مرحلة الواقعية الإشتراكية، قال بعض الكتبة بأن كتابتي أرستقراطية، واستخدموا ضدي مصطلحات أدعياء الثورة والماركسية والإشتراكية، فأصدرت مجموعتي القصصية (الصوت والصورة) وكلها انتقاد لهؤلاء، حيث نعتتهم بثوار المقاهي والليالي الملاح، ثوار العربدة والفساد. لقد كانوا يخشونني لأنني كنت أفضحهم ومن لم يكن يستطيع مواجهتي كان يسلط عليَّ أحد أترابه أو أصهاره. لكنهم لم يستطيعوا أن ينالوا مني أو يغيروا قناعاتي، ويكفيني فخراً أن يصفني الشاعر الراحل “أحمد المجاطي” بـ”ملكة الإبداع بالمغرب، وقلم المبادئ والقضية”. وكما قلتِ فإنهم كانوا يخشون من منافسة الأقلام النسائية لهم, والتي للأسف كانت معدودة بالأصابع، وعلى النقيض فقد لقي إبداعي ترحيباً في المشرق، كما أن بعض المغاربة غيروا مواقفهم تجاه كتاباتي فيما بعد”.

الإبداع النسائي..

عن موقفها من مصطلح الإبداع النسائي, تقول: “أنا ضد هذا المصطلح، لأنه إما أن يكون هناك إبداع أو لا يكون، حيث لا نقول قانون رجالي أو قانون نسائي، الرهان هو النص الحقيقي، أنا ضد كتابة التسطيح، فهي بالنسبة لي ليست أدباً، وللأسف فقد سقط الشعر هو أيضاً في هذا المطب”.

وتواصل عن وزارة الثقافة بالمغرب: “لدي مؤاخذات عديدة على اتحاد كتاب المغرب, ولست راضية عما وصل إليه لا اتحاد كتاب المغرب ولا وزارة الثقافة، فللأسف الكل يشتغل بمنطق المحسوبية والزبونية”.

وعن شغفها بكتابة القصة القصيرة: “لقد بدأت بكتابة الشعر، وأتذكر أنني كتبت قصيدة في فلسفة القوة متأثرة بـ(نيتشه)، بحيث أن قراءاتي في الطفولة والمراهقة كانت أكثر من سني. فقد قرأت لـ(شتاينبيك، ودوستويفسكي، وفولتير، والمتنبي العظيم)، كتبت وعمري 14 سنة ونشرت أغلب ما كتبت في جريدة (العلم). فمن الشعر تحولت إلى كتابة القصة القصيرة فالرواية، لم أدرس حتى الثانوي أو الجامعة, فأنا خريجة المعهد العراقي العالي تخصص اجتماعيات، والأدب هو دراسة شخصية، فعشرتي مع العلم والتعلم لم تكن موجهة, ولكن كان هناك نوع من النهم غير المعقول وغير المنطقي للكتابة والقراءة. ولا أدري كيف وجدت نفسي في القصة القصيرة، ربما هي قراءاتي المتعددة لكتاب عالميين هي التي دفعتني إلى كتابة القصة، وعلى مستوى اللغة فقد تأثرت منذ البداية بالمتنبي ودوستويفسكي”.

وعن سبب توقف مجلة (شروق), أول مجلة نسائية في المغرب, صرحت: “كنت أراهن وجيلي على بناء قاعدة للأدب الحديث بالمغرب، وحرق المسافات لتأسيس, ولو ذاتاً أدبية, لنقول للمشرق أن لنا قامتنا وأدبنا. ولما كانت الساحة الثقافية آنذاك فارغة فكرت في إصدار مجلة ثقافية نسائية وهي مجلة (شروق), التي صدر أول عدد منها عام 1965، فهي مجلة دورية كانت تضم مواد ثقافية واجتماعية وتغطيات متنوعة. وأهم ما في هذه المجلة هو أنها استقطبت مجموعة من المثقفين المغاربة، فأغلب الأدباء المعروفين الآن كتبوا في تلك المجلة ومنهم: (محمد برادة، محمد السرغيني، عبد الجبار السحيمي، التهامي الراجي والراحل أحمد المجاطي). وأنا أسائل نفسي الآن كيف استطعت في تلك المرحلة إصدار تلك المجلة، خصوصاً أنه لم تكن لدي الإمكانيات المادية ولا المعرفية اللازمة لذلك، ولكن كنت أتحدى الصعاب وأركب المستحيل من أجل تحقيق هدفي، فقد كانت مواد المجلة تعد بـ(فاس)، أما طباعتها فكانت تتم في (الدار البيضاء). وللأسف لم تستمر المجلة وتوقفت بعد أربعة أعداد، ولا أود الخوض في أسباب توقفها, لأنها تحتاج إلى جلسة خاصة. وأذكر هنا ما قاله لي الراحل (علال الفاسي) حينما طلب مني أن أتوقف عن إصدار المجلة: (كان يجب أن تتأخر ولادتك بالمغرب إلى ما بعد 100 سنة، حتى يتطور المغرب ويتقدم ويصل إلى المرحلة التي تناسبك), ومع ذلك فقد كنت آمل في أن تحييها الأجيال التي أتت بعدي، ولكن للأسف لم أتلق هذا العرض سوى من المشارقة وبالخصوص من الكاتبة (حميدة نعناع), التي كانت ترغب في إحيائها لتصبح مجلة عربية”.

تكريم “خناتة بنونة” من بنكيران

 

 

موقفها من الهجمة الفرانكفوية

 

 

حوار مع خناتة بنونة

 



الكلمات المفتاحية
الرواية المغربية خناتة بنونة

الانتقال السريع

النشرة البريدية

تعليقات فيس بوك

تنويه لابد منه: ايماناً منا بحق القارئ فى التعليق على الاخبار و المشاركة الفعالة بعرض وجهات النظر المختلفة، فقد اضفنا خدمة التعليقات بواسطة حسابك على الفيسبوك.

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأى ادارة الموقع و يتحمل كتاب التعليقات المسئولية الاخلاقية عن محتوى تعليقاتهم.