“العاشق الياباني” .. حينما تتألق “الليندي” بإبراز العشق الساحر والتعايش مع الشيخوخة !

الأربعاء 13 أيلول/سبتمبر 2017
عدد القراءات: التعليقات
حفظ طباعة

خاص : قراءة – سماح عادل :

تتميز رواية (العاشق الياباني) للكاتبة “إيزابيل الليندي”، ترجمة “سناء الشعيري”، إصدار دار الآداب 2017, بالثراء الذي تتميز به باقي روايات الكاتبة الشهيرة.. فالرواية مليئة بالأحداث الشيقة، تدور قصتها الرئيسة حول قصة حب استمرت أكثر من سبعين عاماً، وفي ثنايا القصة الرئيسة تتشابك الأحداث والقصص.

كعادتها تظل “إيزابيل الليندي” على شغفها بالتاريخ؛ تكشف خفاياه وأسراره وتعطيه نبض الحياة.. في رواية (العاشق الياباني) تتناول أحداث تاريخية هامة في تاريخ أوروبا وأميركا، اضطهاد “هتلر” لليهود، وقيام الحرب العالمية الثانية وتأثيرها على اليابانيين المقيمين في أميركا.

الشخصيات..

“ألما بيلاسكو”: البطلة.. التي وصلت إلى أواخر السبعين من عمرها.. تعيش قصة حب قوية وعميقة بدأت منذ أن كانت في الثامنة من عمرها لشاب ياباني ولم تنته بالموت، عاشت حياة مليئة بالأحداث والفواجع، فقد حرمت من والديها وهي طفلة، وتركت بولندا لتعيش في أميركا بصحبة خالتها وعائلتها، لتعيش طوال حياتها في ذلك البيت, ثم تعيش آخر ثلاث سنوات من حياتها في نزل للمسنين في سان فرانسيسكو اسمه “لارك هاوس”.

“إيرينا باثيلي”: شابة فقيرة تعرضت لأحداث مأساوية أكبر من تحملها، حيث كانت تعيش مع جديها في إحدى دول أوروبا الشرقية، ثم تنتقل إلى أميركا بناء على رغبة أمها, التي تركتها منذ ولادتها، ثم تتعرض لتحرش زوج والدتها, الذي يروج لها صوراً وفيديوهات إباحية وهي بعد طفلة في الثانية عشر من عمرها، وحين تكتشف الشرطة ذلك يقبض عليه وتضطر للعيش بمفردها والتنقل المستمر، حتى تعمل في نزل المسنين “لارك هاوس”, وحينها تبدأ حياتها في التحسن، ثم تعمل مساعدة لـ”ألما بيلاسكو” وتصبح كابنة لها.

“ناتانيل بيلاسكو”: ابن خالة “ألما” وصديقها المقرب، هو الذي سيؤنس وحدتها ثم ستتزوجه وتنجب منه ولدها “لاري”، وسيموت بمرض خطير وهو بعد في الخمسين من عمره.

“اسحق بيلاسكو”: زوج خالة “ألما”، محامي شهير استطاع أن يبني حياة ناجحة، وهو مع ذلك طيب ومعطاء يساعد الفقراء والمحتاجين، ويقوم بعمل مشروعات لتشغيلهم، كما قام في نهاية حياته بإنشاء مؤسسة خيرية لزراعة النباتات في الأحياء الفقيرة.

“ليليان بيلاسكو”: زوجة “اسحق” وخالة “ألما”، وهي سيدة طيبة رعتها طوال حياتها، وكانت زوجة وأم قوية وناجحة، حين يتوفى زوجها تصاب بالعمى من فرط حبها له.

“ليني بيل”: طبيب أسنان وصديق حميمي لـ”ناتانيل بيلاسكو”، حين يصاب بالسرطان في كبره يختار الموت الطوعي، ويقرر أن يلجأ إليه حين تسوء حالته المرضية.

“سيت بيلاسكو”: حفيد “ألما” وصديق مقرب لها، يحب “إيرينا” ويظل يصبر لسنوات حتى يستطيع الفوز بها، ويساعدها على تخطي أزمتها النفسية، كما وأنه شريك “إيرينا” في الكشف عن قصة الحب الخيالية والساحرة لجدته.

“كاترين هوبي”: طبيبة عجوز, تعرضت لحادث في شبابها تسبب في إصابتها بالشلل، ثم التحقت بالعيش في نزل “لارك هاوس”، وظلت على صلابتها وقضت باقي حياتها في مساعدة المرضى العجائز على تجاوز آلام الشيخوخة وأمراضها.

“إيشيمي فوكودا”: العاشق الياباني، كان طفلاً حين التقى بـ”ألما”, حيث كان يساعد والده البستاني في بيت خالة “ألما”، ومن وقتها أصبحت قصة الحب بينهما، وهو شخص متواضع ليس لديه أحلام في الحياة سوى العيش بسلام وبأقل الإمكانيات، يموت قبل “ألما” بثلاث سنوات نتيجة صدمة قلبية، وتحزن على فراقه وتقرر تغيير حياتها والعيش في نزل للمسنين حزناً عليه.

الراوي..

راوي عليم.. يتنقل بحرية بين الشخصيات، يكشف دواخلهم ويصف حياتهم الخارجية، ويسرد أحداث تاريخية موثقة متشابكة مع الحكي، يملك الكثير من القصص والحكايات عن الشخوص.

السرد..

يتميز سرد “إيزابيل الليندي” بالتشويق المتواصل، فهي تحتفظ بالقارئ متنبهاً حتى آخر صفحة في الرواية.. تكشف له المفاجآت وتبلور له حياة الشخصيات ودوافعهم، وتبهره حين يتيقن أنه ألم بكل الحكاية ليكتشف أنه لازال هناك المزيد.. يتنقل السرد ما بين الحاضر والماضي في رشاقة وسلاسة، كما استعانت الكاتبة بخطابات العاشق الهندي لإكمال السرد.

اضطهاد اليهود..

لا تكتفي “إيزابيل الليندي” بسرد  قصة أحادية, بل تدخل في قصتها الرئيسة عدد من القصص الأخرى، التي تتباين في أهميتها وعمقها، لكنها في كل الأحوال تشبع القارئ بحكايا كثيرة متداخلة ومتشابكة ولها معاني عميقة، في سردها لحياة “ألما” أشارت إلى اضطهاد اليهود، من خلال حكيها عن والدا “ألما”, حيث كانا من اليهود الأثرياء في بولندا، وحين اقتراب وقوع الحرب العالمية الثانية هجرا ولديهما “صمويل” و”ألما”, الأول ذهب إلى إنكلترا، والثانية إلى أميركا للعيش مع خالتها، ورفض الأب العنيد أن يترك بولندا رغم تحذير أقاربه، ثم بعد اشتعال جنون “هتلر” واحتجازه لآلاف من اليهود وغيرهم اختفت عائلة “ألما” دون معرفة ما حدث لهم، وتناولت الكاتبة الأوضاع المأساوية التي تعرض لها اليهود في ذلك الوقت في أوروبا بسبب طغيان “هتلر”، من مجاعات والموت في محارق، لكنها لم تجزم بحدوث المحارق، ثم حكت عن “صمويل” أخو “ألما” الذي سقطت طائرة كان يقودها ثم تم إنقاذه ليصبح من أفراد المقاومة اليهودية، ثم يذهب للعيش في إسرائيل ويصبح أحد أفراد الجيش.

معتقل “طوباز” واضطهاد اليابانيين..

كشفت الكاتبة أيضاً عن اضطهاد اليابانيين، الذين كانوا يقيمون في أميركا وقت الحرب العالمية الثانية، واشتعال الصراع بين اليابان وأميركا، وكيف تم اضطهاد هؤلاء اليابانيين وحرمانهم من ممتلكاتهم، وتجميعهم في معتقلات بائسة، حيث انتقلت أسرة “إيشيمي”, والذي كان يعمل والده بستانياً لدى “اسحق بيلاسكو”، وعانت الأسرة حوالي أربع سنوات من الحياة القاسية، ومات فردان منها، الأول التحق بالجيش الأميركي بإرادته ومات في أثناء الحرب، والثاني اعترض على ممارسة الحكومة الأميركية وتم اعتقاله وترحيله، لكن أهله لم يعرفوا شيء عنه، ثم مات والد “إيشيمي” حزناً على ولديه، وعانت الأسرة من الفقر لولا مساعدة “اسحق” لهم مرة أخرى، وإعطائهم أرض يزرعونها، بعد إطلاق سراحهم من معتقل “طوباز”.. ورصدت الكاتبة بدقة تفاصيل الحياة القاسية التي كان يعيشها المعتقلين اليابانيين، وكيف كان الشعب الأميركي يكيل لهم العداء ويعاملهم بوحشية.

تقبل الشيخوخة..

تتناول الكاتبة موضوعاً هاماً آخر, وهو كيفية تقبل الشيخوخة، كيف يتقبل الإنسان تقدم عمره مع ما يصاحب ذلك من تغييرات جسدية هائلة، هناك من يسترجع الماضي بقوه، يستحضره ليعيد رسم صورة ذاته، يفخم قليلاً في الأحداث الإيجابية ويتناسى الأحداث السلبية، يسترجع الماضي أيضاً لكي يعيش فيه بعد أن عزلته الشيخوخة عن الجميع، واضطر للعيش في نزل ليرعاه آخرون، وهناك من يستسلم من كثرة الأمراض ويقرر الموت، فيما يعرف بالموت الطوعي، فيقرر إنهاء حياته ببعض الحبوب السامة التي يشتريها في الخفاء، وكان أغلب المسنين في نزل “بلاك هاوس” فقراء، تقسو عليهم ظروفهم المادية بجانب قسوة التقدم في العمر، وقد يموت أحدهم لأنه لا يجد مالاً للعلاج.

بالنسبة لـ”ألما” تعاملت مع شيخوختها بشجاعة، حافظت على استقلالها قدر ما استطاعت، وظلت تحتفظ بقواها الجسدية وتقاوم الضعف، وحين بدأ جسدها يخونها ويظهر ضعفاً تعاملت مع الأمر بهدوء، فهي قد تقبلت فكرة الموت منذ زمن طويل، منذ موت زوجها حين كانت في أواخر الأربعينات من عمرها، وأصبحت لا تخشى الموت، لكنها تعيش باستمتاع حتى يحين موعده، قد تتناقش مع أصدقائها فيما بعد الموت، تتمنى أن تتقابل الأرواح، وأن يكون القادم مختلفاً عن قساوة الحياة لكنها أبداً لا تخاف من النهاية.

العشق العميق والقوي..

أحبت “ألما”, “إيشيمي”, منذ كانت طفلة في الثامنة من عمرها، وهو كذلك بادلها نفس الشعور، وظلا يتواصلان رغم اعتقاله وأسرته، ورغم أحداث الحياة الكثيرة، كانت الرسائل طريقتهما في التواصل، حين قابلته مرة أخرى وكانت في أوائل العشرين من عمرها استسلمت للعشق الجارف بينهما، وكانا يتقابلان بشكل سري، لأن علاقتهما كانت مرفوضة من المجتمع في ذلك الوقت، لكنها كانت تخاف أن تربط حياتها بحياته، وتتزوجه وتعيش في فقر وعوز، بالإضافة إلى إغضاب المجتمع وعائلتها، كانت أضعف من مواجهة كل ذلك فتخلت عنه وتزوجت من ابن خالتها، ورغم ذلك بعد زواجها بسنوات استأنفت علاقتها به، ساعدها على ذلك أن زواجها كان غير حقيقي، كان أشبه بعلاقة صداقة، واستمرت علاقتها بـ”إيشيمي” حوالي أربعين عاماً، حتى وفاته، كانت علاقة عشق سرية واستمرت مقابلاتهم الدورية والرسائل إلى أن مات “إيشيمي”, وقررت هي العيش بمفردها والتخلي عن كل الالتزامات الاجتماعية، لتعيش فقط على ذكرى هذا الحب القوي، وحين حانت لحظة موتها زارتها روح “إيشيمي” ورحلت وهي بصحبتها.

الكاتبة..

“إيزابيل الليندي يونا” روائية تشيلية شهيرة، وُلدت في 2 آب/أغسطس 1942، حازت على العديد من الجوائز الأدبية المهمة، وهي من الأسماء المرشحة دائماً للحصول على جائزة “نوبل”، تُصنف كتاباتها في إطار الواقعية السحرية، وتنشط في مجال حقوق المرأة والتحرر العالمي وقضايا البيئة والقضايا الإنسانية. لها روايات كثيرة ناجحة من أهم رواياتها: (بيت الأرواح)، (إيفالونا)، (الجزيرة), (الخطة اللانهائية).



الانتقال السريع

النشرة البريدية

تعليقات فيس بوك

تنويه لابد منه: ايماناً منا بحق القارئ فى التعليق على الاخبار و المشاركة الفعالة بعرض وجهات النظر المختلفة، فقد اضفنا خدمة التعليقات بواسطة حسابك على الفيسبوك.

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأى ادارة الموقع و يتحمل كتاب التعليقات المسئولية الاخلاقية عن محتوى تعليقاتهم.